وهي الرواية التي صدرت حديثا للكاتبة والتي تقارب وباء العصر، الذي يدفعنا إلى طرح تساؤلات :
هل ثمة اتجاه جديد يسم أدب الأوبئة ؟ وهل جائز أن نستبق ونتحدث عن الأدب الكوروني ؟
عن هذه الفرضيات، وعن هجرة الشعراء للرواية وسجال الجوائز والمساكنة الأدبية، تحدثنا الكاتبة عائشة البصري في هذا الحوار
روايتك الجديدة “كجثة في رواية بوليسية” التي صدرت عن الدار المصرية اللبنانية تقارب كورونا ثيمة، هل لبوس وغموض هذا الوباء هو الذي أجج مخيال عائشة البصري الروائي ؟
نعم ، إنه الغموض المخيف للوباء. الخوف من شيء غامض، فيروس صغير لا يرى بالعين المجردة. و تأثير أجواء الموت والعزلة، الأخبار التي تصلنا كل يوم عبر القنوات الفضائية، وضبابية المستقبل، والشك في الغد، وعدم اليقين و فقدان الإيمان بالأنظمة الاجتماعية والاقتصادية الدولية، وحتى بالعلم..كما لو أن عالمنا انهد فجأة فوق رؤوسنا. إضافة إلى انشغالي، في معظم كتاباتي، بالموت سؤالا وجوديا ناتجا عن ذلك القلق الفطري الذي ضخمه حضور الموت من حولي أكثر من الحياة.
في أجواء لحظة زمنية تتأرجح بين الموت والحياة، لم أستطع تجاهل ما يحدث في العالم و مقاومة الكتابة على التداعيات النفسية للجائحة عليّ وعلى الآخرين.
فجأة وجدتني أقود شخصية روائية إلى عالم الموت والصراع مع وباء كورونا. فتحتُ باب الموت على مصراعيه ودخلت، دون سابق نية، عوالم رواية جديدة. كان يكفي أن توفر لي الجائحة الشرارة الأولى ليتكفل الخيال بالباقي. كما أن حالة الطوارئ الصحية وفرت الوقت للكتابة، والمادة الخام للإبداع ، مادة مرعبة لكنها محفزة وغنية. غير أن الموت في “كجثة في رواية بوليسية” أخذ شكلا سورياليا أكثر منه تعبيرا عن قلق وجودي.
ربما كانت محاولة مني كاتبة لمواجهة الموت بكورونا، كما فعل الكثير من الكتاب مؤخرا.
الأكيد أن الكلمة التي سيطلقها كاتب لن تدمر ذلك الكائن المجهري الصغير، لكنها ستسجل اللحظة و أثر الكارثة، عسى أن لا ينسى العالم أن كوفيد-19 مر من هنا. الحياةُ تَخْسِرُ ضِدَّ المَوت، لكنَّ الذاكِرَةَ تَنْتَصِرُ في مَعْرَكَتِها ضِدَّ العَدَمِ كما يقول تزْفيتانْ تودوروفْ.
ألا ترين أن اقتران الكتابة بصفة عامة بقضايا أو أوبئة قد يكون عنصر محو بزوالها ،أم قد يكون كناية عن شهادة تاريخية من زاوية مغايرة بنظرك ؟
هذا النوع من الكتابات ليس جديدا فالآداب والكتابات حول الجوائح والكوارث والأوبئة والمجاعات والحروب لها تاريخ. و بعضها ما يزال حاضرا بقوة في الآداب العالمية كروائع أدبية. فنحن نعرف في الرواية الأوروبية عددا من الأعمال الروائية. وخلال هذه الجائحة بالذات استحضرنا جميعا رواية الطاعون لألبير كامي التي كانت الأكثر مبيعا خلال فترة الحجر الصحي التي عشناها في الشهور الأولى. وكما نعرف، هناك أعمال روائية عربية اشتغلت على الجوائح والأوبئة كليا أو جزئيا لنجيب محفوظ وأندري شديد وجمال الغيطاني وهاني الراهب و الروائي أمير تاج السر..
من المؤكد أن حقبة تاريخية جديدة على الأبواب، هذه الحقبة ستبلور فضاء إبداعيا مختلفا و معظم ما سينشر خلال هذه الحقبة سيكون تحت عنوان زمن كورونا، لأن الأمر يتعلق بتدوين حدث استثنائي في تاريخ الإنسانية.
في هذه الجائحة، دخل الكتاب مرحلة “الكورونية”، ونشرت كتابات في الموضوع منذ الأيام الأولى للجائحة. الطاهر بن جلون في “رسالة إلى الصديق البعيد” كمثال. الكثير من الأدباء في العالم الذين عاشوا هول الفيروس والحجر الصحي قبلنا، إما بدؤوا كتبهم في الموضوع أو أنهوها. كما عرفت الساحة الثقافية العالمية نقاشات فكرية و فلسفية. كالمقالات المنشورة بين الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين والفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي، حول التعاطي مع أزمة كورونا كحالة استثناء.. ربما مازالت هذه الكتابات عند حدود التساؤل، لكنها توظيف واضح للفلسفة والفكر والإبداع في مواجهة وباء كورونا.
على مستوى آخر وعطفا على سؤالك، أظن أن الإبداع لا يمكن اعتماده كشهادة تاريخية دقيقة و معتمدة، لأنه تخييل ومهما كانت خلفياته التاريخية فتلك الأحداث التاريخية ، تخضع لإعادة تدوير خلال عملية الكتابة وتفقد الكثير من الدقة والمصداقية. رغم أن رواية “كجثة في رواية بوليسيةّ” اعتمدت حكيا كرونولوجيا لأحداث عالمية خطيرة وقعت خلال فترة زمنية محددة في ثلاثة أشهر، فإنها تبقى مجرد ظلال أو خيط رابط خفيف ومرهف، لأن المقصود من الرواية ليس تأريخ أحداث عامة، إنما الحديث عن مشاعر و مواقف شخصية نتجت عن هذه الأحداث.
هذه الأحداث تهم المؤرخ، لكنها تظل مادة من بين المواد الأولية للإبداع مثلها مثل الذاكرة والحلم والطفولة، لأن الأساس في الرواية هو التخييل ..
أنت الشاعرة التي تحولت لكتابة الرواية ، هل بنظرك اللغة الشعرية إضافة للمتن الروائي أم قد تعيب بنيانه ؟
سفري إلى الرواية كان ببطاقة عودة، فرغم أن هذه الرواية هي عملي السردي الخامس، فأنا مازلت أتنقل بين الشعر والسرد، وأنتصر للقصيدة ملاذا للروح. اللغة الشعرية إضافة للمتن الروائي، أن يكتب شاعر الرواية هو إثراء مضاعف، بل تعدد الأجناس الأدبية يعد إضافة للأديب. شخصيا ، عندما أكون بصدد كتابة نص روائي أبذل قصارى جهدي لأشيد عالما روائيا ببصمتي الخاصة شاعرة لأنني لا أومن برواية خالية من روح الشعر.. لكنني لا أتقصد مطلقا أن أبني معمارا روائيا بقصائد نثر . أحرص بأن لا تغتال لغة الشعر لغة السرد. لكن علي الاعتراف أن المهمة كانت صعبة في البداية خاصة في روايتي الأولى “ليالي الحرير” . للإشارة فعدد كبير من كتاب الرواية في القرن العشرين قدِموا من الشعر: خوسي سراماغو، بول أوستير ، الطاهر بنجلون، ميشيل بوتور، بيتر هاندك ، غونتر غراس وغيرهم ..فيهم من ظل يكتب الشعر والرواية في نفس الآن،و فيهم من عاد إلى الشعر بعد أن حقق منجزات باهرة في الكتابة الروائية.
شخصيا وإلى جانب أجناس أخرى (سينما، مسرح، تشكيل) استفدت كثيرا من تقنيات الكتابة الشعرية . فجاءت اللغة مكثفة تتجاوز الإخبار إلى آفاق المجاز، دون الإغراق فيه طبعا، وهى صيغة صعبة. في هذا السياق كتب الناقد المصري الدكتور صلاح فضل عن رواية ليالي الحرير، “إن اللغة مع تقنيات أخرى شديدة البلاغة والتجريب، تلعب دور البطل في ليالي الحرير”.
هل مساحة الشعر داخلك تمددت لدرجة أنها ضاقت بالقصيدة فلجأت إلى أحضان النص المحكي؟
في الكثير من الأحيان لا يختار الكاتب الشكل مسبقا هناك قضايا وانشغالات هي التي تختار شكلها الملائم . غونتر غراس عندما نشر قصيدة (ما يجب أن يقال) والتي أثارت زوبعة كبيرة، خصوصا في إسرائيل . لم يستغرق وقتا كبيرا ليؤلف رواية كي يعبر عن غضبه. مفهوم الكتابة اليوم أصبح أكبر وأوسع لأن الأمر يتعلق بالحرية الإبداعية.
على المستوى الشخصي، فتجربتي في الكتابة مرتبكة زمنيا. إلى درجة من الصعب تصنيفي في جيل معين (إذا ما اعتمد تصنيف الأجيال ).ومرتبكة على مستوى أجناس الكتابة ،من سبق الآخر إلى دور النشر ؟ نشرت القصة القصيرة في مجلات حائطية ومنشورات الثانوية . ملأت كما فعل زملائي الحالمون بالتأليف دفاتر أنيقة بخواطر وأشعار. نلت جائزة أحسن نص قصصي في المرحلة الثانوية . انشغلت بالألوان و كتبت بعض المقاربات لأعمال تشكيليين مغاربة.
ثم ظهرت في الساحة الثقافية المغربية بأول مجموعة شعرية “مساءات” وتلتها ست مجموعات أخرى على مسافة عقد من الزمن قبل أن أنشر أول رواية .. علما أن إغراء كتابة الرواية راودني منذ سنوات . لكنني، وقتها ، توقفت عند الصفحة الخمسون، وبقيت الرواية والفكرة مركونة بين الرفوف. ربما أنفض عنها الغبار في يوم ما. من هذا المنطلق أخلص إلى أن تفاوت النشر وليس الكتابة حسب الأجناس الأدبية كان بالنسبة إلي يخضع لمزاج خاص جدا.
كتابة رواية ونشرها لم يكن بالنسبة إلي مخططا . بل كانت الرواية و أقصد هنا روايتي الأولى (ليالي الحرير)، لحظة خاصة جدا، لا علاقة لها بالجو الثقافي العام . هي لحظة أحسست فيها بحاجة لمساحة أكبر لأكتب شهادة صريحة عن الحياة أو بالأحرى لأعيد صياغة كلام بوضوح أكثر.. فاكتشفت حينها رحابة صدر الرواية.
الكتابة ضلع من أضلاع الارتباط العائلي، زوجك كاتب وبناتك شاعرات أيضا. هل تمارسون النقد بشكل جماعي لإنتاجاتكم الأدبية ؟
ربما هذا الرأي أصبح رؤية تقليدية للمساكنة الإبداعية بين زوجين كاتبين. وحسب تجربتي، أجد أنه ليس من الضروري أن يقرأ الزوج ما تكتبه الزوجة أو العكس . الزواج مؤسسة لا تلزم لا المرأة ولا الرجل بالمشاركة الأدبية والفكرية. لدي أفكاري ومواقفي، ولدى زوجي أفكاره ومواقفه مختلفة تماما. قد لا تجديننا على نفس المنصة وفي نفس النشاط الثقافي.
أنت شاعرة تعرفين أن الكتابة فعل فردي وتحتاج مسافة بُعد عن الآخر، كما تحتاج لحرية أكبر و الإلتزام المؤسسي يضعها تحت المحك . هناك نماذج كثيرة في العالم العربي تبرهن على ذلك، ناهيك عن تجاذب مساحة الضوء والنرجسية المرتفعة لدى المبدع كما المبدعة عموما. كثيرا ما أسأل هل قرأت روايته جيرترود ، وحين أجيب بالنفي ترتسم على الوجوه علامة الدهشة أو التشكيك .
لقد أدركت في الوقت المناسب أن عالما مستقلا يخصني هو الملاذ من أي تشابك أو تشويش عائلي. فاقتطعت لنفسي غرفة صغيرة من البيت فيها مكتبتي الخاصة وكومبيوتري وأرشيفي ووثائقي وموسيقاي . لنقل أنها فضاء خاص بي لا يدخله أحد حتى زوجي الذي أقدر له احترامه لخصوصيتي كاتبة . أدخل الغرفة صباحا كما لو أنني ذاهبة إلى العمل. حين أغادرها أغلقها ليظل عالم الكاتبة منفصلا عن عالم الأم والزوجة . زوجي لا يعرف عن رواياتي إلا ما يسمعه من نقاشات جانبية بين الأصدقاء وهو شيء أجده عاديا ..للتوضيح، أنا وزوجي مختلفان تماما في أسلوب الكتابة. مرجعياتنا مختلفة، والاختلاف الأدبي لا يفسد للزواج مودة . المهم بالنسبة إلي هي هذه المساحة من الحرية الإبداعية التي أتمتع بها داخل مؤسسة الزواج، والتي تفتقدها العديد من النساء. ربما هذا التباعد، أفاد العلاقة الزوجية كثيرا وحمى تجربتي الإبداعية.
بالنسبة إلى بناتي فلكل واحدة منهن لغتها الخاصة، ويجمع بينهن حب الكتاب والكتابة. هن يطلعنني على كتاباتهن. شامة لديها كتابات بالإسبانية ولينة تكتب شعرا عميقا بالإنجليزية والألمانية، وتنشر مقالات في مجال اختصاصها كطالبة باحثة. نقاشاتنا الفكرية والأدبية متذبذبة بين الاختلاف والاتفاق . لكن دعيني أتحدث عن ريم التي أصدرت لحد الآن ثلاثة دواوين شعرية. بيني وبين ريم تواطؤ نسائي في الكتابة. نتابع كتابات بعضنا. أنا معجبة بشعر ريم وهي كذلك ساردة جيدة، لديها عمل روائي سيصدر قريبا وتشتغل على آخر ..عوالمنا الشعرية متجاورة. نتحدث كثيرا حول تجربتينا وقضايا الإبداع ونتبادل النقد و الملاحظات ..ريم مشروع روائية ممتازة إنشاء الله.
حصلت على كثير من الجوائز الأدبية هل تعتبرين أن القيمة المادية تحفز من قيمة العمل الادبية ؟
من المؤكد أن منح جائزة إلى مبدع أو مبدعة يشكل تحفيزا نوعيا ملموسا، وبغض النظر عما إذا كانت للجائزة قيمة مادية أم لا، فإن الجائزة تعبر عن نوع من الاعتراف بقيمة ما ينتجه المبدع. كما تحفز الجوائز القراء على تداول وقراءة العمل الفائز والإقبال عليه. ومن هنا أهمية أن تتوفر للجوائز لجن أمينة وذات مصداقية ، ولها وعي بأن منح هذه الجائزة أو تلك ليس عملا دعائيا أو لعبة إعلامية أو سياسية أو ما شابه. فالجوائز إذا انحرفت عن مقاصدها النبيلة تصبح نوعا من الانحطاط الأخلاقي، فضلا عما قد تبثه من سموم في شرايين الحياة الثقافية. وقد تحدث جائزة ردة فعل عكسية، هناك حالات نعرفها في تاريخ الأدب وتاريخ الجوائز عند الفوز بجائزة كبيرة، فتشكل عائقا أمام تطور مسار الكاتب الفائز. وقد تعطل مساره الإبداعي إلى الأبد.
كما أريد أن أشير هنا إلى أن الجوائز، عربية أو عالمية، لا تصيب دائما في جودة الاختيار ،لأنها تخضع – بالإضافة للمقاييس الأدبية – لاعتبارات أخرى منها الذاتية والسياسية..حتى جائزة نوبل عرفت اختراقا لما هو سياسي في الكثير من الأحيان. بل حجبت في دورة ما لأسباب أخلاقية، شخصيا لا أراهن على الجوائز لتحقيق انتشار عربي أو عالمي، بل أراهن على انفتاح النص على ثقافة الآخر ولا أسجن رواياتي داخل محلية ضيقة. في العمق المسألة ليست مسألة جوائز، وإنما ينبغي إنتاج النصوص القوية وتحقيق التراكم الإبداعي والفكري الذي يحتاجه نهوضنا العربي المنشود.
فتيحة النوحو

