عبد القادر الشاوي يكتب : الرغبة والشيخوخة

لم يسبق لي أن قرأتُ لرشيد بنزين أي كتاب، رغم أنني أشرفتُ على ترجمة أحَد كتبه،

صغير الحجم والأثر من الفرنسية إلى الإسبانية، قام بها صديقي الأرجنتيني الشاعر لياندرو كاجي حول (قراءة القرآن). لا أعرف، وإدراكي لا يسعفني، كيف ارتَبَطَتْ شهرته النسبية في المغرب لدى جماعة من الناس الفرانكوفونيين بكتاب من كتبه، ولعله الأول بالفرنسية (مفكرو الإسلام الجُدد)، يوم رأوا هذا الكتاب بالذات، ولعلَّه لم يكن له دِخْلٌ في ذلك فيما يبدو، على مائدة من موائد الملك محمد السادس في بداية عهده بالحكم… ولا أظن أنَّ أحدا منهم قد قرأه، ولكنهم، في الواقع، أرادوا التشبه بِالمَلك عملا بالقول المأثور: (الناس على دين ملوكهم).

وقد تطور رشيد بنزين أيَّما تطور فأصبح يُعْتَبَرُ، في نظر بعض المهتمين الفرنسيين المُنْفَعِلِينَ بالظواهر، واحدا من الباحثين في (الإسلاميات) الذين أصبحت تَعُجّ بهم فرنسا ودولا أخرى. ويبدو لي أنه أنشأ، في هذا التطور، مكانة خاصة عندما شرع يقتحم، بدافع من حاجةِ دُورِ النشر والصحافة إلى مواقف آنية تناصر أو تنتصر أو تُوَثِّقُ هذا التأويل أو ذاك، عَالمَ التخييل، من ناحية، والعالم الآخر المرتبط بتبسيط المعرفة لتعميم المواقف المطلوبة بإزاء جملة من قضايا الساعة، كالإسلام نفسه أو الهجرة أو الإرهاب (كما فعل الكاتب المعروف الطاهر بنجلون قبله). فَكَانَ أنْ وَجَدْنَا، في هذا المستوى، كُتُبَهُ: :شرح القرآن للشباب”، 2016،  “نور”، لماذا لم أتوقع أي شيء”، مسرحية 2016، “ماذا يوجد في القرآن”، بالاشتراك، 2017، “عن ألف طريقة وطريقة لكي تكون يهوديا أو مسلما”، بالاشتراك، 2017 إلخ. أيْ جملة من الكتب ذات النفس البرغماتي المكتوبة على عَجَلٍ  وِفْقَ منهج تبسيطي، يكون الغرض من نشرها، من طرف (مهتمين) في كثير من الأحيان، تعميم أفكار يحتاج إليها سوق المعرفة بناء على كثير من الدوافع التجارية والسياسية والتعبوية وسواها… فَتَكُونُ الصورة التي تتشكل للباحث على صلة معينة ب(الداعية العصري) الذي قد لا يكون مُلْتَحِيا، وقد لا يكون متشبعا بأي إيمان، ولكنَّه (بَعْدَ الفُحُولَة) ينتصر حتما بِاللُّغَةِ والوعظ واختيار الطرق القَلْبِيَّةِ الأنْسب للتأثير المعرفي أو الديني، هذا فضلا عن الربح الذي يجنيه من كل ذلك كلما اتَّسَعَت دائرة القراء أو المستمعين أو المشايعين، لأسلوب مُعَيّن في نشر المعرفة ولظاهرة، أظنها عابرة، في التأثير الديني أو الفكري عموما. أفترضُ دوما أنَّ قراء هذا النوع من الكتب الميسرة كثيرون للحاجة التي يحدثها الإعلام أو الأحداث الجارية أو المنافع المختلقة قصد التداوي من القبليات أو الشفاء من المصادرات… إلخ

فما كان مني إلا أن قرأت رواية (هكذا تكلمتْ أمي) الصادرة قبل سنة عن (سُويْ، أكتوبر 2020)، فوجدتها، على قصرها (90 ص من القطع المتوسط)، مغرية ومُشَبَّكَة وتستحق الاهتمام: فهي مغرية بحكم السلاسة، مع بعض التَمَحُّل في التعبير أحيانا، فَتَعْرِضُ موضوعها والعناصر التي تتفاعل فيها (السارد والأم العجوز على وجه الحصر) والعالم الذي تبسطه (من حيث التأويل: الرغبة والشيخوخة) على قدر مختلف من التركيز والإيحاء واستخدام الرمز الثقافي بعناية.. وهي مُشَبَّكَة، حِبْكَةً وخيوطا، لأنها تنبني على أثَرِ نَصٍّ غائب هو رواية بلزاك، ولعلها أولى روايته الصادرة في1831، (La Peau de chagrin‏) أو (الجلد المسحور) (السحري)، فيتحول هذا النص أثناء القراءة إلى مَصْدَرِ تأمل بالنسبة إلى السارد، وَصُحْبَةٍ تلازم الأم العجوز (التي لا تجد عن النص بديلا)، وكل ذلك بنفس فلسفي يغترف من الذاتية والمعاناة والتناقضات الشخصية إلى جانب استيهامات مُجَنَّحَة الشيء الكثير، وربما أيضا لكي يصل إلى خلاصة (وهل للرواية خلاصة) عاطفية تقول: (أمي هناك باستمرار، وأنا باستمرار إلى جانبها، كما لو أن وجودي الحقيقي الذي يفرحني وله معنىً في حياتي، يجعلني لا أكون سوى ظلها الوحيد فقط).

والتمثل الحقيقي الذي برع فيه رشيد بنزين في الإغراء بالكتابة، أخيرا، هو في التوليف بين الأنا والظل، بين الرغبة والشيخوخة، بين المعاناة والانصهار الفلسفي في الذات للكشف عن الخبايا المنزوعة من الهذيان أحيانا. بحيث نجده في صفحة مليئة بالتوحد لم يسبق لي أن قرأتُ مثيلا لذلك من قبل، على محدودية ما قرأته، في أي عمل أدبي، أي: تلك اللحظة التي يُقْنِعُ فيها السارد أمَّهُ العجوز، وهي عَالَة عليه، للقيام بتنظيف ثيابها مما علق بها من حاجات جد شخصية تماما، واصفا  كيف نَظَرَ إليها خَافِضا لها جناح الرحمة، فلم تَقُل شيئا، مُعْلِماً إيَّاها أنَّه سَيَتَوَلى العمل الذي لم يسبق له أن قام به في حياته كلها. يَصِفُ كيف بدأتْ يداه ترتعشان، وشعوره العظيم بهشاشة أمه يُرْبِكُه، وغموضُ موقف لن يَبِين: أي، مرة أخرى، إحساس أمِّهِ به عندما استسلمتْ لَهُ. لم يتكلما، بل اقتسما تلك اللحظة العاطفية القوية، وانْحَشَرَ كلُّ واحدٍ منهما في (إنسانيته). لحظةُ تَحَرُّرٍ بالنسبة للأم على شَبَهٍ كبير بتلك اللحظة التحرُّرِيَّة التي تَسْتَشْعِرُها والسَّاردُ يقرأ عليها رواية (بلزاك) بعد أنْ تَحَوَّلَتْ، بالنسبة إليه، إلى رقعة وحيدة لنشاطه الثقافي والعاطفي في ارتباط بالأمِّ وَكِتَابِهَا الأثير.

تهدف الدراسة إلى توفير معطيات وصفية حول كيفية تدبير ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى المرافق والخدمات العمومية.
يعود الفنان المغربي عبد الفتاح الجريني بقوة إلى الساحة الغنائية بإطلاق ألبومه الجديد “Grini 2.6”، الذي حصد تفاعلا واسعا بفضل تنوعه الموسيقي وأغانيه العاطفية.
تستعد الدار البيضاء لاحتضان الدورة الثانية عشرة لملتقى التأمين يومي 15 و16 أبريل 2026، بمشاركة خبراء دوليين وبرنامج غني يناقش تحولات القطاع والمخاطر الجديدة.