العنف الالكتروني يتمدد

أصبح العنف الإلكتروني ضد النساء من أشكال العنف الأكثر انتشارا في الفترة الأخيرة

ويتصدر التحرش الجنسي أعلى اشكال العنف الرقمي بنسبة بلغت 71.2 بالمائة من كل أشكال العنف الالكتروني، حسب البحث الوطني حول العنف . تنامي هذا الاتجاه من العنف، يطرح اسئلة حول المقاربات الجديدة للتصدي له، ومدى قدرة السياسات العمومية،  ورصدها لهذا التحول الذي ينعكس على النوع الاجتماعي .

العنف الإلكتروني وضحاياه

ما يقارب 1,5 مليون امرأة هو عدد ضحايا العنف الإلكتروني، سواء أكان من خلال البريد الإلكتروني أم المكالمات الهاتفية،  أم الرسائل النصية القصيرة، وذلك نسبة انتشار تبلغ 14 ٪. ويرتفع احتمال الوقوع ضحية لهذا النوع من العنف إلى  16 ٪ بين نساء المدن وإلى 29 ٪ بين النساء الشابات المتراوحة أعمارهن ما بين 15 و 19 سنة وإلى 25٪ بين  النساء الحاصلات على مستوى تعليمي عالي، وإلى 30٪ بين العازبات وإلى 34٪ بين التلميذات والطالبات.

ويرتكب هذا النوع من العنف في 77 ٪ من الحالات من قبل شخص مجهول،  فيما تتوزع باقي الحالات المتبقية بنسب متساوية تقارب 4٪ بين أشخاص لديهم علاقة مع الضحية،  خاصة الشريك وأحد أفراد الأسرة وزميل في العمل،  وشخص في مجال الدراسة وصديق (ة). مع تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة وتوسيع الشبكات الاجتماعية، برز شكل آخر من أشكال العنف هو “العنف الإلكتروني” بنسبة انتشار تتوسع تصاعديا، وتعلن الأرقام السابقة، والتي حملها البحث الوطني الأخير للمندوبية السامية للتخطيط، حول العنف، رؤية بحثية تكشف عن تحولات جديدة في أشكال العنف المبني على النوع، ما يستلزم اعتماد مقاربات جديدة لمكافحته.

voilence

من بين المؤشرات الجديدة،  ما أفرزه البحث الوطني حول انتشار العنف –ماي2019-والذي انجزته الوزارة الوصية بهدف توفير معطيات جديدة حول انتشار الظاهرة،  خاصة في ظل التحولات الاجتماعية والسلوكية التي تطبع المجتمع المغربي، وكذا من أجل تدقيق لإجراءات البرنامج الوطني لمحاربة العنف ضد النساء في أفق 2030.

قدم التقرير معطيات حول العنف بأنواعه، مع رصد لتنامي العنف الرقمي”اذ يعتبر التحرش الجنسي أعلى اشكال العنف الالكتروني، وبلغت نسبته 71.2 بالمائة من كل أشكال العنف الالكتروني، كما أن 46.3 من النساء المعنفات الكترونيا، هن حاملات لشواهد التعليم العالي.

أمام لغة الأرقام التي رصدت هذا التطور، اعتبرت وزيرة المرأة والأسرة والتضامن الاجتماعي والمساواة، جميلة المصلي،  الأرقام المسجلة مهمة. وتطرح سؤالا حول قدرة المقاربة القانونية على وقف هذا العنف في ظل وجود قانون يجرمه، “وهو ما يتطلب تعبئة مجتمعية عبر التكوين، والتأهيل، والرصد، واليقظة”. وفي لقاء نظمته اللجنة الوطنية للتكفل بالنساء ضحايا العنف حول “مقاربة سوسيو-قانونية للتكفل بالنساء ضحايا العنف”، قالت المصلي ” إن العنف الالكتروني هو من أبرز الأشكال الجديدة للعنف، مما يتطلب مقاربات جديدة ترتكز على الجانب الثقافي التربوي، إضافة الى التشريعي الزجري. ثم إن المقاربة الوقائية ضرورية،  لأنها ترتكز على بناء الثقافات لحماية النساء من التعرض للعنف”.

voilent

المجتمع المدني ينشغل بالظاهرة

يتطور العنف الإلكتروني، بالنظر إلى سهولة الولوج إلى التكنولوجيا، ومواقع التواصل الاجتماعي بالتحديد. ومقابل ذلك،  هناك نقص في الأبحاث والبرامج من طرف الجهات الحكومية والمنظمات المدنية  التي تشتعل على موضوع العنف الممارس بواسطة تكنولوجيا المعلومات و الاتصال ضد النساء بالمغرب، إن الإصلاحات التشريعية  التي جاء بها قانون 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد المرأة، قد جرمت بعض أشكال العنف الممارس بواسطة تكنولوجيا المعلومات و الاتصال. الا أن المجال لا زال يحمل ثغرات مهمة في التشخيص وفي الاشتغال، وهو ما دفع المنظمة الدولية ” مرا” لإطلاق بحث جديد لسد الفجوة الموجود في المعلومات المتوفرة، وذلك عن طريق التعاون مع سبعة منظمات غير حكومية محلية شريكة في جميع أنحاء البلاد، و إجراء أبحاث عملية متعددة الجوانب. و ذلك بهدف إنتاج قاعدة معرفية حول العنف بواسطة تكنولوجيا المعلومات و الاتصال ضد النساء بالمغرب، يهدف هذا المشروع إلى تحسين القوانين والإجراءات والخدمات، أملا في تعزيز استجابة أفضل لمثل هذا العنف.

بدورها سبق أن أطلقت جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، خلال السنة الماضية وبالتزامن مع ظروف الجائحة، مشروعا حمل شعار “سطوب العنف الرقمي”، بهدف محاربة هذا العنف الرقمي المستجد، والتوعية بمخاطره. كما قدمت دراسة موازية حول واقع الحال،  الذي دفع نحو ما يقارب 87 في المائة من النساء للتفكير بالانتحار،  كما 60 بالمائة من ممارسي هذا العنف هم أشخاص معروفون لدى الضحية، في حين أن 40 بالمائة منهم أشخاص مجهولون.

أغلب الاعتداءات الرقمية تتم باستعمال مواقع التواصل الاجتماعي، حسب نفس الدراسة. ويبقى أكثر الوسائل استعمالا للعنف الرقمي، هو “واتساب” بنسبة 43 في المائة، يليه “فيسبوك” بنسبة 22 في المائة، ثم “انستغرام” بنسبة 17 في المائة  “ماسينجر” بنسبة 14 في المائة. اكدت الدراسة ان اكثر من 50 بالمائة من مستخدمات الانترنيت كن ضحايا العنف الرقمي مرة واحدة على الاقل في حياتهن،  موضحة ان الهجمات كانت اساسا ذات طبيعة جنسية.

الفضاء الرقمي هو مرآة لعقلية

كغيره من اتجاهات وأشكال العنف المختلفة ضد المرأة، يرتبط العنف الرقمي بتصورات المجتمع المغربي لهذه الظاهرة،  والتي تكشف عن جوانب مهمة ليس فقط للآراء المتعددة للنساء وللرجال،  ولكن أيضًا للقيم العميقة التي يتبنونها.

تعتقد الفاعلة الجمعوية والحقوقية أمينة اليملاحي  أنه داخل  الفضاء الافتراضي،  يمكننا ملاحظة اشكال العنف التي تتعرض لها النساء من ألفاظ بذيئة وفيديوهات وصور مخلة أو مفبركة ، واشكال التعابير التي تمس بكرامتها، وفيه  مشاهد متكررة  للعنف والتحرش وكذا التمييز. ما نشاهده في شبكات التواصل الاجتماعي يؤكد على وجود  تواتر للحوادث والانتهاكات التي تمس بشكل خاص الحقوق الفردية للمرأة، خاصة الفئات التي لا زالت وضعيتها هشة، بسبب الأمية والجهل، الهدر المدرسي وتزويج القاصرات..

الفضاء الرقمي أو الافتراضي هو مرآة لعقلية، لصورة نمطية ،  للتصورات الباطنية المتحجرة التي تطغى على عقليات ذكورية، و هي ما يتمظهر وينعكس ويتجلى فيما يمارس على المرأة. كل مظاهر العنف  و التحرش و  الاقصاء في الواقع الافتراضي، كما الحقيقي، مصدرها هته العقلية، والكثير من العنف تجاه النساء ناتج عن سلوكات خاطئة متعلقة بالتنشئة الاجتماعية،  وهذا الفضاء يفضح غياب الوعي  وقيم المواطنة و احترام الحريات.

عنف مستجد ؟

أعطى قانون العنف رقم 103.13 الذي تم اعتماده قبل سنتين،  تعريفا للعنف الممارس على النساء  بأنه : “كل فعل مادي أو معنوي أو امتناع أساسه التمييز بسبب الجنس،  يترتب عليه ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي للمرأة”، ورغم الانتقادات التي وجهتها الجمعيات العاملة بالمجال لنواقص هذا القانون، إلا أنه جرم العنف بأنواعه الاقتصادي، النفسي، الجنسي والجسدي)، دون أن يخصص للعنف الرقمي حيزا مستقلا، رغم أهمية هذا العنف، وخاصة أمام المستجدات التي يعرفها العالم، والتي تجعل الرقميات تحديات الرقمنة تنسحب على كل مجالات الحياة ، بما فيها العيش المشترك، والقوانين التي تؤطر الحياة اليومية.

لقد انتقلت جريمة التحرش الجنسي التي كانت  الفضاءات العمومية وأماكن العمل مسرحا لها،  إلى الفضاء الرقمي، وسجلت التحرش الجنسي أعلى المؤشرات، وبنظر  أمينة  اليملاحي، فالكثير من الممارسات تدخل في إطار العنف الرقمي، وسبق لقانون العنف أن أشار الى ذلك، من قبيل  التعريف الوارد فيه،  والذي “يعتبر مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي،  ويعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم،  أو بإحدى هاتين العقوبتين،  كل من أمعن في مضايقة الغير بواسطة رسائل مكتوبة أو هاتفية أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية،  أو لأغراض جنسية”.

لكن من بين الإشكالات الكبيرة التي يطرحها هذا الاتجاه المستجد من العنف ضد النساء، هو التطورالسريع لمجال الاتصال والتكنولوجيا، والجهل باستعمال التقنيات داخل مواقع التواصل الاجتماعي  بها من قبل النساء الضحايا، ما يطرح صعوبة الاثبات وهو ما يتطلب تأهيلا جديدا، ومقاربة متعدة الأبعاد وعلى مدى أطول.

وتحيل أمينة إلى توصيات أخرى تقدمت بها الجمعيات المهتمة بالموضوع، وهي توصيات تهم السياسات العمومية و تحيين القوانين والمطالبة بتبسيط المساطر القانونية بخصوص العنف الرقمي، و تفعيل النصوص المتعلقة بتجريمه، بالإضافة إلى حث الجهات المسؤولة على الاجتهاد في وضع تدابير وقائية و حمائية ،  ومحاصرة ممارسي العنف،   وعدم الإفلات من العقاب.

فاطمة نوك

تستعد الدار البيضاء لاحتضان الدورة الثانية عشرة لملتقى التأمين يومي 15 و16 أبريل 2026، بمشاركة خبراء دوليين وبرنامج غني يناقش تحولات القطاع والمخاطر الجديدة.
يشارك مغني الراب المغربي- الأمريكي فرينش مونتانا في فيلم سينمائي ضخم يجري تصويره حالياً في العاصمة المصرية"القاهرة"، بمشاركة نخبة من نجوم الشاشة المصرية منهم أحمد السقا وأحمد مجدي .
حذر الخبير البيئي مصطفى بنرامل من التحولات الخطيرة التي يشهدها شاطئ المهدية، مشيرا إلى أن الوضع الحالي "ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل إنذار مبكر لما قد تواجهه السواحل المغربية في المستقبل القريب".