ولتصبح أول امرأة عربية تحصل على شهادة دكتوراه في مجال التقنية الحيوية من جامعة كامبردج ، ثم عودتها إلى المملكة العربية السعودية. وستنقل خبرتها العملية والعلمية عقب تعيينها ضمن أول عضوات يمثلن المرأة السعودية في مجلس الشورى عام 2013 ، وأصبحت كبيرة مستشاري رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية للعلوم والتكنولوجيا والابتكار أيضا.
تجربة ثرية وطريق طويل من الكفاح المثمر الذي يثبت أن المرأة قادرة على إثبات ذاتها على الرغم من كل المعوقات التي تفرض عليها بفعل الظروف الإجتماعية ، نساء من المغرب التقت الدكتورة حياة سندي بالرباط، وفتحت قلبها لنا في هذا الحوار.
أريد أن أبدء من أزمة جائحة كورونا وتأثيرها على فرص الفتيات في التعلم ، هل تعتقدين أن الجائحة أثرت سلبا على فرص الفتيات ؟
بالطبع ، وهذه مسألة خطيرة جدا ، لابد أن نعرفها جيدا. فأزمة جائحة كورونا تعتبر من أكبر الأزمات العالمية التي واجهت التعليم على مدار التاريخ، وبالفعل زادت معدلات التسرب الدراسي. ولابد علينا جميعا أن ندرك خطورة ذلك، وعلينا أن نلتفت لأهمية تعليم الفتيات اللواتي تأثرن بسبب كورونا. وأنا شخصيا مسؤولة في بنك التنمية الاجتماعية لدعم الابتكارات، خصصنا 500مليون دولار لدعم المبتكرين عبر العالم، لدعم البحث العلمي خاصة في الدول الفقيرة، لإيجاد حلول للأزمات الاقتصادية التي مرت بها دول عديدة، خاصة في العالم العربي والإسلامي ،حيث شارك حوالي 5000 مخترع من 137 دولة فاز منهم ثلاثين مخترعا بقيمة مليون دولار لأجل دعم ابتكاراتهم والخروج من الأزمة، حيث وصلتنا ابتكارات مميزة في مجال الصحة والتعليم والزراعة .
أريد أن أذهب إلى طفولتك وكيف أصبحت الآن حياة سندي ؟
عشت حياة متوازنة ، وكان والداي وعائلتي قدوتي. علمونا معنى الحياة والعمل. والدتي كانت تحفز أبنائها وتبذل ما في جهدها لكي نتعلم ونرتقي بوجودنا. وأنا شخصيا دائما أتذكر حديث والدي معي ” لا تخيبي أملي فيك ” وأحكي كيف دعمني وكان مصدر قوة لي في كل المناسبات حتى أعطي لكل أسرة سعودية وعربية ومسلمة قدوة، وفكرة لأهمية تعليم الفتيات .
أنت حصلت على فرصة لا تحصل عليها معظم الفتيات بالمملكة العربية السعودية وغيرها من الدول بسبب العادات والتقاليد كيف واجهت ذلك ؟
أنا أعتبرها قضية شخصية تحلها الأسرة. صحيح والدي دعمني، وسمح لي بالسفر، ولكن هذا لا يمنع أني كنت أواجه سؤال: «متى ستعودين؟» بشكل مستمر. ولو قرر والدي أو والدتي أن أعود ولا أكمل دراستي في الخارج لعدت. أنا أحترم العادات والتقاليد، وأقدر الأسرة، ودائماً أقول العمل هو الإثبات الأكبر لجدية الإنسان. عملك سيتحدث عنك وسيسهل لك كل الطرق، وعلى الفتاة أن تجد طريقة لتثبت ذلك من خلال عملها، وستصل.
من مكة إلى لندن فرق كبير كيف كان أول يوم لك في لندن ؟
عندما هبطت الطائرة في مطار لندن كان الجو بارداً جداً في فبراير، وشعرت بكآبة فظيعة. كانت لي صديقة تنتظرني في المطار، ووصلت بعدها إلى الفندق وتركتني لأرتاح. أمضيت الليلة كلها أبكي مقررة العودة في رحلة اليوم التالي. نمت من شدة البكاء، ثم استيقظت وفتحت النافذة، كانت الشمس مشرقة والناس يمشون في الشارع. هدأت نفسي، وقلت: «بعد سنتين من محاولات إقناع أهلي أنت هنا اليوم فلا تضيعي الفرصة». كان حلمي أن أطور نفسي وأحصل على شهادات عليا وأخدم الإنسانية أكبر من حاجتي إلى أن أكون مع أهلي و مدللة بينهم.
– كيف تمكنت من الالتحاق بالدراسة هناك، وقد جئت بخلفية علمية بسيطة، بالتأكيد مررت بمراحل فشل وإحباط كثيرة، كما قرأت؟
بدأت أبحث عن جامعة للدراسة، ولم يتم قبولي بالطبع، ولم يُعترف بشهادة الثانوية التي أحملها، وطلبوا أن أدرس ALevel مؤكدين أنني لو درسته لن أتمكن من النجاح فيه، وبالتالي لن ألتحق بأي جامعة. تمكنت من الالتحاق بكلية توفر حصصاً للطلبة الراغبين في تعديل درجاتهم في المرحلة الثانوية، حاولت ونجحت. أنا مؤمنة بأن كل عالم أو أي إنسان ناجح هو في النهاية بشر مثلي، فإن استطاع تحقيق النجاح، فيمكنني أيضاً أن أحققه. أؤمن بأن الإنسان عليه أن يخوض التجربة بنفسه. تعبت كثيراً، كنت أعمل أكثر من 18 ساعة يومياً. وبعدها اتصلت بـ King’s College وقالوا لي أهلا وسهلاً.
تتذكرين تلك الأيام بعد تحقيق خطواتك الأولى من حلمك…
لم أتخيل في حياتي أن أتمكن في الدراسة في هذه الجامعة التي كنت أحلم بها عندما قرأت عن اكتشاف الحمض النووي وأنا في عمر 13 الـ DNA في كينغز كولدج وكامبردج. كنت كالإنسان الذي يسمع بالوصول إلى القمر ، ولا يتخيل نفسه أن يقف على سطحه. فأن أتمكن من دخول الجامعتين اللتين حلمت بهما، كان أمراً عظيماً بالنسبة إلي. فأول يوم كان كالحلم عندما قابلت كل الأسماء من البروفسورات الذين سمعت عنهم و قرأت كتبهم. كنت أريد أن أتعلم، وأن أخدم البشرية، كنت أعشق أن أدخل قاعة المحاضرات وأجلس في الصف الأول وأسمع بكل حواسي.
ماذا تعلمت خلال فترة وجودك في بريطانيا ؟
الحياة تحتاج إلى جدية ومجهود ابتداء من انتظار «الباص» الذي إن لم ألتزم وقته سأضطر لانتظار «الباص» الذي يليه، وبالتالي سأتأخر على المحاضرة، وبالتالي سأحصل على إنذار. في الغربة تتعلمين تنظيم الوقت وتقديره من جهة، ولكن من جهة أخرى تمكنك الغربة من تقدير ما هو لديك من دين وعادات وتقاليد. فأنا سعودية 100% وفي النهاية، و أسلوب حياتك سيجذب حولك شخصيات تضيف إليك وتتفق معك. تعلمت من الغربة أن آخذ إيجابيات الغرب وأن أنظر إلى الأمور بشكل إيجابي، مع محافظتي على هويتي. كان العلم هو وسيلتي لتكوين الصداقات والمعارف حتى لا أكون منعزلة. ومن أفضل ما تعلمته من الغربة، هو عدم إصدار الأحكام على الآخرين، فأسوأ ما يمكن أن تؤذي به نفسك أن تنصبي نفسك حكماً أو قاضياً على الآخرين. تعلمت أن أتقبل الإنسان كما هو وأحترم خلفيته وأفكاره.
سياسة المملكة التي تتبعها حاليا في إرسال البعثات للخارج هل تعتقدين أنك لو كنت حظيت بتلك الفرصة كان سيتغير مستقبلك ؟
بالتأكيد. لك أن تتخيلي أنك تحملين الهم يوميا حول مصاريفك، وتعيشين حياة متقشفة جداً، ولا تتمكنين من شراء الكتاب فتضطرين لتصويره أو دراسته في المكتبة لأوقات طويلة و متعبة، وخصوصا في فصل الشتاء، بدلاً من شرائه وأخذه إلى البيت. الإبتعاث اليوم يوفر الكثير. بذلت مجهوداً كبيراً جداً لأتمكن من إتمام تعليمي وتعرضت للكثير من العقبات العلمية والمادية، ربما أهمها عندما قرر الدكتور المشرف على أبحاثي أن ينهي المنحة الدراسية لسبب ما، وكلف شخصاً آخر. طبعاً مضت سنوات عملت فيها على البحث، والمنحة أوشكت على الانتهاء، فلم يكن أمامي إلا أن أكتب للملك، وتكفلت الحكومة بتكاليف البحث، وتمكنت من إنهائه بالشكل الذي أردت وبالفكرة ذاتها.
لماذا اخترت علم الأدوية تحديداً؟ وكيف استطعت أن تحددي توجهك؟
قرأت كتاباً وعرفت أني أحب علم الأدوية. وعرفت أنه لا يدرّس كمادة فقط في جامعات السعودية، وأنا أردت أن أدرسه كعلم. فهو بين الصيدلة والطب ومليء بالتحديات.
-مررت بمراحل تحدٍ وفشل وقرأت لك أن مرحلة «كامبردج كانت خمس سنوات من الصراعات والتحديات، كيف تتذكرينها؟
عندما تبدأين بالتعامل مع العلماء في الجامعات العريقة ومراكز الأبحاث المتميزة، تشعرين بجو غريب، فهم يعتبرون أنفسهم قبل الخالق. وعندما يرى عالم امرأة متدينة، يعتقد أن هذا التدين سيحد من قدراتها العلمية لأنها تؤمن بوجود الخالق، والدين يعيق العلم، من وجهة نظرهم. كان هذا من أبرز التحديات، وكان علي أن أقنعهم بالمثابرة…
حياتك مليئة بلحظات الفشل والنجاح، في كل مرة ماذا تقولين لنفسك؟
أعيدي الكرّة في كل فشل. أنا ما زلت أشعر بعالم الطفل البريء الخالي من الخوف. فلو خاف الطفل لما تمكن يوماً من المشي. والدي علمني أن لا أخاف إلا مِمن خلقني.
ما هو «معهد التخيل والبراعة»؟
هو حلم 10 سنوات، وفكره فريدة من نوعها. فكرته المبسطة هي خلق بيئة تمكن المبدعين من الابتكار في العلوم والتكنولوجيا والهندسة، وأن يتم تحويل أفكارهم وابتكاراتهم إلى شركات تخدم المنطقة. فهو برنامج غير ربحي، قد يكلف ما بين 9 و10 ملايين دولار سنوياً، بين جدة وأفضل مراكز البحث والجامعات في العالم. هدفه خدمة العلماء العرب وتبني ابتكاراتهم، وانخراطهم في برامج بناءة لتحفيز ريادة الأعمال، ومن ثم يقدمون ابتكاراتهم وأفكارهم المدروسة وبراءة اختراعاتهم من خلال مؤتمر يستضيف رجال الأعمال ويمكنهم من الاستثمار في العلم.
أنتقل إلى ملف عضويتك في مجلس الشورى هل تعتقدين أنك تمثلين كل سيدات السعودية ؟
كيف لا نعرفها ونحن نعيشها؟ كل امرأة تعاني مشكلات مختلفة وتعرف مشاكل من حولها من النساء. فهناك المتزوجة، والمطلقة، والتي تعاني في عملها وفي أبحاثها. الاختلاط، والسفر، والحركة، وغيرها من المشكلات التي تختبرها جميع النساء بطرق مختلفة. فنساء الشورى لم يجئن من كوكب آخر بل من المجتمع نفسه، ولهن أمهات وأخوات وقريبات وصديقات يعانين مشكلات مختلفة. فمن هي المرأة السعودية؟ هل هي ربة المنزل، العالمة، المعنفة، المطلقة، الموظفة، وغيرها؟ كل واحدة منا هي إمرأة سعودية.
هل تعتقدين أن المرأة أصبحت شريكة للرجل أم انها ما زالت مهمشة؟
أغلب المشكلات التي تعانيها المرأة ، تعود إلى تصنيفها منذ زمن مضى بأن مكانها البيت، واليوم بعد خروجها إلى الحياة العامة بدأت تعاني مشكلات أخرى. هناك تهميش للمرأة، ويتوقف التصدّي له على رغبتها وإصرارها على رفض هذا التهميش. فهي يمكنها أن تنهيه وتثبت وجودها.
ماذا تعني عبارة «حقوق المرأة» لحياة سندي؟
حقوق المرأة بالنسبة إلي أن تحصل على حقوقها إنسانا وفردا و كيانا فعّالا في المجتمع، فهي صانعة الأجيال.
هناك رأي يقول إن «العادات والتقاليد الاجتماعية» تقف حاجزاً كبيراً أمام أي محاولة لتغيير وضع المرأة، بل بإمكانها تعطيل بعض القوانين التي تخصها، فما رأيك؟
كثيراً ما تخرج قرارات ويصعب تطبيقها، والحقيقة أن الوقت هو اللاعب الرئيس مع المجتمع ليتقبلها. فالمجتمع يحتاج إلى وقته ليهضم الفكرة، ويفهمها، ويتمكن من التعامل معها، ومن ثم قبولها. وليس معنى ذلك أن لا نعمل للتغيير واتخاذ القرار المناسب، لكن كل جديد صعب في بداياته. وجود المرأة في مجلس الشورى اليوم سيعزز مفهوم شراكة المرأة في المجتمع، وبالتالي سيغير صورة المرأة ويجعلها شريكة للرجل في مراكز القرار. فالطفل الذي ولد اليوم سيختلف عن الطفل الذي ولد قبل 10 سنوات.
وفقاً للأرقام الأخيرة بلغت نسبة البطالة النسائية 34 في المئة، وأكثرهن من حملة الشهادات الجامعية، هل تؤرقك هذه المشكلة؟ وكيف ترين جهود وزارة العمل؟ ومن المسؤول عن ارتفاع البطالة النسائية؟
لا يفترض أن تكون بطالة المرأة أكثر من بطالة الرجل في المجتمعات المتقدمة، وقد يرجع ذلك إلى كون المجالات التي فتحت لها للدراسة محددة، وأعطيَ الرجل فرصاً أكبر، ولم تراعَ احتياجات سوق العمل. أتذكر عندما أردت ترجمة شهادتي من كامبريدج بتخصص»هندسة الجينات»، رفضت معادلة الشهادة لأن التخصص هندسة، وقال الموظف إن الهندسة تخصص غير مسموح بدراسته للبنات. فخاطبت الديوان الملكي، وترجمت شهادتي وعادلتها بأمر الملك عبدالله . اتخذ خادم الحرمين ذلك القرار في ذلك الوقت، واليوم البنات يستطعن أن يدرسن الهندسة وغيرها من التخصصات التي كانت حكراً على الرجل. مشكلة البطالة النسائية متشعبة ومعقدة. فما هي التخصصات التي درستها المرأة؟ وما هي الخبرات التي حصلت عليها؟ وما هي المجالات التي يمكن أن توفر عملاً لها؟ لا نستطيع أن نلقي اللوم على وزارة العمل فقط، فالتدبير المنزلي مثلاً تتخرّج منه الكثيرات، ولا يوجد لهن عمل لأن السوق لا يحتاج إليه. اليوم الشهادة الجامعية وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى تدريب وتطوير بعدها لتفي باحتياجات سوق العمل. فحتى الطبيب ينهي دراسة الدكتوراه ويقوم بالأبحاث قبل أن يبدأ العمل، وبالتالي هو يوفر لنفسه فرصة عمل أفضل فيما بعد. فالمجالات المفتوحة لدراسة الفتاة لها دور، واختيار الفتاة للتخصص له دور، وتطويرها لقدراتها له دور، ووزارة العمل لها دور. وكما قلت المشكلة متشعبة ومقلقة، فكيف نرى فتيات يحملن شهادات جامعية ولا يحصلن على وظيفة؟ هنا يأتي دورنا في مجلس الشورى بأن نقوم بدراسات حقيقية تساهم في حل مشكلة البطالة.
كيف وجدت تجربة المرأة المغربية ووضعها الحقوقي و على مستوى قوانين الأسرة أيضا؟
أنا أعجب بأي تجربة تستطيع فيها المرأة اثبات نفسها والحصول على حقوقها، دون أن تفقد هويتها. وعندما جأت إلي تعرفت على تجارب سيدات وفتيات مغربيات ناجحات، وبالطبع هذا أسعدني بالإضافة إلى التطور الكبير في مدونة الأسرة، وأعتقد أن هذا ينعكس على تقدم البلد بشكل عام .
هاجر اسماعيل


