وكيف نقر بالمسؤولية الجنائية المعلوماتية حينما تسبب في موت إنسانة أقصى ما كانت تتمناه هو أن تتوقف عنها الآم الداء الخبيث.
قصة ابنة الشرق عائشة المغربية التي غيبها الموت بسبب خطأ معلوماتي تستوقفنا لنطرح أسئلة جوهرية :ما قيمة كينونة الإنسان وهو تحت سياط الآلة الجامدة ؟؟ وهل عولمة البشرية في أجهزة الكترونية تتيح الفرصة للجميع، أم أن أسماءنا في خانات معلوماتية تخضع لمنطقي الحذف والإضافة ؟؟؟
الحياة قصص تنسج من المرأة والرجل على السواء ،لا يمكن أن نفصل بينهما. فالمرأة لا تعيش في كوكب منعزل، بل يشاركها أفراحها جنس الذكورأيضا. وقد يكون هذا الرجل آبا أو زوجا أو ابنا أو شقيقا. يكونون سندا خاصة في المحن الصحية. ومن حقهم أن نعطيهم مساحة للبوح عن شجونهم وندوبهم، خاصة عندما تتولد عقبات أخرى تكون خارج التوقعات، وتوضع سدا منيعا أثناء المحاولة للتخفيف عن الأحبة والأهل والأقرباء هولا، فتجد نفسك تصارع طواحين آلية رقمية الكترونية، و لا تجد الجهة التي تزج بها في دائرة المسؤولية والمحاسبة.
فكثر هي الحالات الإنسانية التي عانت وتعاني من مرض السرطان، والتي فارقت الحياة بسبب هذه الجمرة الخبيثة. لكن حالة عائشة المختاري انضاف اليها فيروس الكتروني، خلط الأوراق لتكون هي ضحية الحذف الوجودي.
هذه هي قصة الراحلة عائشة بنت مدينة وجدة شرق المغرب، التي في أعماق ذويها ومعارفها وأهلها وساكنة مدينتها الكثير من الأسى، لكن حرقة شقيقها الذي ناضل ماديا وإنسانيا لأجل إنقاذ حياة أخته، التي عاشت أكثر من سنتين على إيقاعات الداء الخبيث السريعة، التي نهشت حياتها. وبعدما لفظ اسمها الحاسوب الفرنسي من العلاج من داء السرطان، الذي ينخر جسدها فقط لأن اسمها مطابق تماما لسيدة جزائرية رفضت فرنسا منحها تأشيرة سياحة بوهران. ليطال المنع نفسه عائشة التي كانت تأمل فقط أن تنعم بلحظات بدون ألم فوق سريرها ببيت أهلها بمدينة وجدة شرق المغرب، عوض سرير بالمصحة الفرنسية” جوستاف روسي بباريس”التي أدت لها كل مصاريف العلاج سلفا .
خذلها صمت المسؤولين الفرنسيين والمغاربة الذين أذعنوا لخطا آلي كأنه قدر بيروقراطي حتمي، لتستجدي عائشة خلاصا وإن كان عبر الموت الرحيم كما طلب شقيقها عزيز المختاري المتكفل بها معنويا وماديا. خاصة أن زوجها عاطل عن العمل، ويحكي عبد العزيز محنة شقيقته التي تعود لأكثر من عشر سنوات بكل حنق واسى ويقول:
رحلة أختي عائشة مع المعاناة ،حين ألم بها ألم على مستوى الساق. وأجرت عملية بوجدة لتكون ضحية خطئ طبي تسبب في مضاعفات عبدت الطريق أمام داء السرطان، لتدخل عالم التنقل والترحال بين أيدي الأطباء بينما المرض يستفحل دون رقيب . خضعت لفحوصات وأدوية وحصص الكيماوي دون جدوى، فرست بعدها سفينة النصح من طبيبها الذي كان يخضعها لحصص الكيماوي بالسفر للعلاج بفرنسا. وفعلا بدأنا الاستعداد للسفر بالبحث عن مصحة للعلاج في بلد شعاره “المساواة و الإخاء”، وشرعنا في جمع الملف الطبي الذي يوضح مسار المرض منذ البداية فراسلنا مصحة” جوستاف روسي” بباريس التي وافقت على إلحاق أختي عائشة بمرافقها قصد العلاج ،خاصة أننا أرفقنا الطلب ب ثمانية واربعين وثيقة طبية، وأدينا رسوما بمبلغ مائة وخمسة وخمسين “أورو” مصاريف للعلاج سلفا، والتي وضعنا وصولاتها مع كل الوثائق التي تقدمنا بها إلى القنصلية الفرنسية بمدينة فاس لطلب تأشيرة بغرض العلاج، لنفاجأ بالرفض، مما اضطرني إلى مراسلة السلطات الفرنسية لمعرفة سبب ذلك، لتكون الطامة الكبرى إنني توصلت برسالة أولى من وزير الهجرة الفرنسي تحمل بين ثناياها لبسا خطيرا حيث تم خلط بين اسمين متشابهين لسيدتين بجنسيتين مختلفتين ،فأختي عائشة يطابق اسمها امرأة أخرى تعيش بوهران بالجزائر طلبت تأشيرة الدخول لفرنسا بتاريخ 10-4 -2007 لأجل السياحة ورفض طلبها. لذا، اعتقد ت مصالح القنصلية أن الأمر يتعلق بالمرأة نفسها رغم اختلاف البلدين ،فقط لأن النظام المعلوماتي استعبد مستخدميه وعودهم على الكسل ، ولم يكلفوا خاطرهم التدقيق في المعلومات، رغم أن الفروق واضحة جدا. ففاس المغربية غير وهران الجزائرية، والمسافة العمرية واضحة، فأختي رحمها الله كانت في عقدها الخامس فيما السيدة الجزائرية في العقد السابع، كما أن تاريخ التقدم بالطلبين لدى المصالح الفرنسية تفصل بينهما تقريبا سنة ، لذا قمت بمراسلة سبع وزراء بفرنسا لتصحيح الخطأ.
يسترسل عزيز المختاري شقيق عائشة ، وهو الذي لم يستسلم لأنه لم يشف من ندب موت أبيه فجأة، ولم يتمكن من حضور جنازته، حيث كان في دورة تدريبية بفرنسا. لذا تجند ليدعم أخته بطرق جميع الأبواب انطلاقا من مراسلة وتحسيس المسؤولين بفرنسا، إلى نظرائهم بالمغرب وعلى رأسهم وزيرة الصحة بخصوص قضية أخته التي لم تعد حالة منفردة، بل حالة كائن بشري من حقه ان يتلقى العلاج ويقول :
تسلمت وزيرة الصحة المغربية أنذاك ملف شقيقتي بالكامل وراسلت المسؤولين من رئيس الوزراء وأعضاء حكومته وفرق برلمانية، لم أتلق أي جواب أو أذن صاغية، باستثناء فريق واحد الذي ساءل الوزيرة عن ملف عائشة لتجيب بمغالطات واضحة حيث كان ردها :
أن “السيدة عائشة مختاري التي تعاني من مرض مزمن : un” ostéosarcome avec métastases pulmonaires ” كانت تعالج بالمركز الاستشفائي ابن رشد بالدار البيضاء والتي أرسلت بعد ذلك لاستكمال علاجها بمركز الأنكولوجيا الحسن الثاني بوجدة وانقطعت عن العلاج طواعية وطلبت شهادة قصد العلاج بالخارج فسلمت لها بتاريخ 19/03/2008″.
وكل هذا كان عبارة عن مغالطات تسببت في تأخر أختي عن العلاج حتى هلكت
بعد معاناة لا توصف، فكنت شاهدا على فترة احتضارها وهي شديدة الهزال وشحب وجهها واشتدت آلامها. فكانت لا ترجو ولا تنشد إلا راحة الحياة…في ظرف سنتين تآكلت عائشة، بل نهش دواخلها المرض الخبيث بعد أن أغلقت أبواب العلاج في وجهها وسُدّت كل المنافذ التي تمكنها من إنقاذها من براثنه في الوقت الذي اكتشف الأطباء المرض في بدايته، ولم تجد جهات مسؤولة رغم أنها لم تطلب مالا ولا مصاريف علاج، بل كل ما كانت تطلبه منحها فرصة علاج.
لذا طالبت مساءلة كل من يتحمل هذه المسؤولية بالدولة التي من واجبها توفير العلاج للمريض الذي يعجز عن ذلك.
بعد وفاتها بأكثر من سنة، حكم القضاء الإداري المغربي بمدينة وجدة لفائدة الراحلة بإدانة رئيس الوزراء وزيرة الصحة بتهمة الإهمال وعدم المسؤولية مع تعويض مالي يقدر بـ خمسة وأربعين مليون سنتيم لصالح عائلتها، لم يرضني الحكم، فانا كنت أطالب بالسجن للجناة ”
حرمت الراحلة عائشة التي أطلق عليها شهيدة الفيزا من تأشيرة العلاج بزلة اسم مرقن ،التشابه في الأسماء لا يعني أبدا التطابق في الأقدار ،فاللفظ الذي طال السيدة الجزائرية لم يكن ضارا، فأن تمنع من الترويح عن النفس، ليس أولوية أمام أمنية الحد من آلام وجع أفضى إلى الموت.