أمينة تحكي قصتها العجيبة عن زواج دام أكثر من عقدين من الزمن ، أثمر ثلاثة أبناء وانتهى لأجل عشقها للكتابة.
تحكي أمينة بداية الحكاية ، وتقول:
منذ أن كنت طفلة وأنا أحب الدراسة والمطالعة ، وكتبت أشعارا في سن السابعة، ساهمت بها في الإذاعة وحصلت على جوائز، حتى عندما بدأت أتدرج بالدراسة كنت نجيبة وأحمل شعلة من الأحلام بتحقيق مستقبل زاهر. لكن سرعان ما تلاشت كل هذه التطلعات الوردية حينما بدأت أنوثتي تظهر والتي كانت لي بالمرصاد ، بدا أهلي يفرضون علي الحصار. تحركاتي أصبحت تحت المجهر، الدخول والخروج من البيت يخضع للاستنطاق ، صداقاتي مع زميلات الصف هي أيضا أضحت محل نقد ونقاش. وكان كل ذلك فقط ذريعة لوضعي في سجن آخر، مما دفع والدي إلى ممارسة سلطته الأبوية وإكراهي على الزواج. لم تكن لي قدرة على الوقوف وجها لوجه لأعارض هذا القرار المجحف الذي سيضيع حياتي، فلم تكن الفتاة تمتلك في عصرنا ذاك حق الاختيار، فوجدتني في سن الرابعة عشر تحت سقف بيت الزوجية، أو بالمعنى الدقيق، القفص الحديدي عوض الذهبي الذي يصوروه لنا في الخيال الرومانسي. وبذلك غدوت أرزح تحت نير مؤسسة تتجاوزني بكثير، بعيدة عن صفوف المدرسة وهو المكان الأنسب لي بذلك العمر، وأتحمل مسؤوليات لا حيلة لي ولا مقدرة عليها ، والتزامات جانبية أمام أهل الزوج والمجتمع، الذي بدوره يمارس سلطة الرقابة، ويحسب خطواتك كامرأة راشدة بعقد النكاح فيما بنيتك الجسدية والمعنوية هي لطفلة، أنجبت أبنائي الثلاثة، سهرت على تربيتهم ومرافقتهم في دراستهم، رغم صغر سني شعرت بالأمومة لكن أبدا لم أشعر بأنني زوجة، لم أكن سعيدة في زواجي خاصة أن زوجي كان قاسيا يعنفني لفظيا باستمرار، وكلما التجأت لأبي أشكو له همي كان يعيدني اليه ويبارك كل ما كنت أقاسيه. فالآباء يعتقدون أن مكان البنت بجانب زوجها، رغم كل المتاعب التي قد تعترضها . لا يكترثون بالآلام التي تعيشينها ، لا يبالون بما يخلفه على نفسيتك ذاك النفور من كائن لا تحبينه ولا تجمعك معه أية مشاعر، لا ود ولا عاطفة، ما يهمهم هو أن يركنوك في بيت الزوجية كبيت الوقف.
ورغم الدوامة التي تقوقعت فيها لسنين، ظل الحنين للعلم والمعرفة يسكناني، وأضحت الكتابة هاجسي لأعوض كل الفقد الذي عشته وأعيشه، الشيء الذي لم يستسغه زوجي، بل رفضه بتاتا ، فكان يوبخني كلما رآني أحمل القلم. بل أكثر من ذلك، ازداد تقريعا لي لأنني لم أعد استغني عنه ، فالقلم والورقة هما مؤنساي وسلواي للهروب من جحيم الواقع. فكرت في حيل قد تجنبني المشاكل، فبدأت أتحين فرصة نومه وأخرج للبلكونة، فأكتب تحت ضوء القمر ،أو خلال النهار أصعد للسطوح، فاختلي بنفسي وأكتب تارة شعرا وتارة نثرا. المهم أنني وجدت في اليراع، الملاذ والهروب من الواقع المرير.
أحيانا كانت تراودني بعض الظنون حول هذا التشبث بالكتابة و الارتباط الدائم بالقلم والأوراق ما الدافع .؟؟؟: هل هو ردة فعل تجاه حياة زوجية غير سعيدة وقد تنتهي هذه الرغبة بمجرد زوال السبب خاصة أنني تزوجت ولم تكن لي رغبة بالزواج، بل كنت أود متابعة الدراسة ؟ أم أن الحياة العاطفية التي افتقر إليها، حيث أنني لم أعش أية أحاسيس خاصة متبادلة مع زوجي، والتي لم تنشأ حتى مع العشرة الطويلة هي التي ولدت لدي إحساس عميق بالفقد فعوضته بالكتابة التي كانت أداتي للتعبير عن الأحاسيس بتناقضاتها من ألم وخوف وإخصاء ؟أم أن الكتابة تشكل ضرورة معنوية بالنسبة إلي ؟
لكن سرعان ما أتخلى عن هذه الانشغالات الذهنية وانغمس في لذة الحروف والأبجدية ، ونشوة المجاز التي تنسيني برودة الواقع ولو للحظات.
ومن فرط ولهي بكل ما له علاقة بالكتاب والمعرفة، اشتقت أيضا للدراسة والمطالعة فقصدت الجامعة بالمدينة التي أسكنها ، وصممت أن أقابل العميد وتحدثت معه وطلبت منه أن أحضر محاضرات الأدب العربي، وكنت مواظبة ومنتبهة للدروس فقط ،لم يكن لدي الحق أن أجتاز الامتحانات لكي أحصل على شهادة أكاديمية بحكم أن مستواي التعليمي لا يسمح لي بذلك، كما إنني سجلت نفسي في دار الثقافة لمطالعة الكتب الأدبية من شعر وروايات لأوسع من معارفي ومداركي، وأطلع على كتابات أدباء وكتاب كبار لأتعلم واستفيد
تسترسل أمينة في الحديث قائلة:
نهمي لعالم الكتب بدأ يزيد و يتنامى وأيضا للكتابة، فكنت كالسيل الجامح أكتب وأكتب، لم أهتم بتعنيف الزوج، بل وجدت في الحروف ملاذا ومفرا من كل ما أتلقاه من ضغط وأذى. فعدت إلى الماضي فشرعت أدون الأحداث التي مرت بحياتي وطبعت أيامي بشخوصها ومواقفها ، ذاك الماضي الذي لم يكن فيه هذا السجان الذي يتضايق من قلم و ينتفض من كلمة، ويعتبرني دمية أو أمة يحركها كما يشاء، ويأمر وينهي كما سي السيد. عندما بدأت الكتابة لم أكن أعرف أين ستسوقني الصفحات، كان الأساسي هو البوح وتفريغ شحنات الغضب التي كانت بداخلي وكادت تشعل في قلبي نيران، فوجدتني أنهي مخطوطي الأول. ففكرت أن لا تدفن بين دفتي النوافذ كما أقبرت أنا ، فبدأت أفكر في كيفية إخراجها من بين جدران البيت الذي لم يكن بالواقع إلا سجنا. وذات صباح غادرت البيت متجهة إلى محطة القطار قاصدة العاصمة، لم أفكر في عواقب هذه الخطوة ، همست لنفسي قائلة :هذا المخطوط هو سلاحك للتخلص من هذا الكابوس “، وخلال المسافة التي قطعتها بالقطار كنت أضع احتمالات السيناريوهات التي يمكن أن تحدث بعد هذا اليوم، فتقويت وقلت : سعاد استعدي للمواجهة والقتال ، وفعلا عند وصولي الى العاصمة استلقيت أول سيارة أجرة صغيرة تراءت لي، وطلبت من السائق أن يوصلني إلى أية مطبعة يعرفها. سلمت أمري للقدر وللحظة ، فعلا تم ذلك ودلني السائق على الباب. تم ذلك، دخلت قدمت نفسي وفصحت عن رغبتي، و تقدمت بالمخطوط للمسئول عن المطبعة.
اتفقت على سعر الطبع وتركت المطبوع، وخرجت أطير كمن حقق انتصارا فريدا، مزهوة بنفسي على الخطوة التي حققتها. و بالتحديد بداية تكسير الأصفاد التي طوقني بها هذا الزوج الذي يشبه وجل ثلج لا عواطف لديه ولا مشاعر. عدت إلى المحطة، ركبت القطار ولم أصل حتى المساء، و لم أسلم من آذاه، و لكني لم أكترث. لم أرغب أن يبدد نشوتي بالنصر،عشت على أمل أن أتحسس الكتاب بيدي في شكله النهائي،انتظرت بلهفة عاشقة لأيام وأيام حتى جاء يوم الوصل ، فذهبت لأتسلم نسخي. زهو آخر لكينونتك حينما تطالع توقيعك يزين كتابا هو ثمرة لمعاناتك وعذاباتك، وشعور بالفخر، حينما يكون هذا الكتاب أو فعل الكتابة عموما، جسرا للحرية والخلاص.
فما إن تناهى لسمع زوجي أنني أصدرت الكتاب، اختلطت عليه مشاعر توزعت بين الفضول والحنق. ولم يهدأ له بال حتى سارع لاقتناء نسخة ، حينما قرأه ثار وغضب وطرق أبواب العائلة من المقربين جدا ليشكوني لهم، ويقول لهم: ” أترون إنها تكتب عن الحب ” كما لو كان الحب خطيئة وهو الذي لا يتقن إلا فن البغض ، مما حث كل الأقرباء لقراءة الرواية ليعرفوا مدى صحة قوله.
الكتاب فتح باب المساءلة والتساؤل ؟هل هي سيرتك الذاتية ؟هل ما كتبته حقيقة خاصة أن هناك الكثير من التفاصيل تشبهني؟ هل قصة الحب التي تتناولها الرواية تخصني ؟ لم أجب طبعا لأنني لست في قفص الاتهام ، لذا اشتد عنفه لي و قسوته ،لم أبال لا بتقريعاته ولا باستفزازاته ، وشرعت في كتابة الجزء الثاني من الرواية ،كما جمعت قصائدي في ديوان فقررت رفع دعوى التطليق، خاصة عندما صدر قانون الأسرة الذي ينصف المرأة. لم يقبل أن يطلقني، لكن القاضي سأله: لماذا لا تريد أن تطلقها فرد عليه،” لأنها تحدتني وعصتني” قال له القاضي كيف ذلك؟ أجاب ” إنها تكتب”فقال له القاضي هذا حقها ولما تمنعها من الكتابة . فأصدر حكمه بالطلاق ، فرحت فرح الأطفال يوم العيد، طلقت الزواج لأرتبط بالكتابة ،ولا زال في جعبتي الكثير لأبوح به كتابة .
فتيحة النوحو