“ أزطا” عرين نساء الأطلس

الطريق إلى قريتهن بأولماس بالأطلس المتوسط، كأنها قطعة من أغنية "الدنيا ربيع" لسعاد حسني. بدت الأرض سجادة أمازيغية ألهمت أصابع من تدربن على محاكاة ألوان الطبيعة

تلك التي هزمت اللون الترابي الوحيد والبئيس وأفرغت من جوفها وردا زمن الوباء والعزاء. نساء جعلن من مشغولاتهن الصوفية فصل ربيع وشعر، وحفظن عن ظهر حب أسماء الرسومات بالأمازيغية: تافنزارت، أخبا دي زم، موحى وبابا..، كما لو كن يحفظن أبيات النشيد الوطني. والحصيلة صناعة زرابي فتحت صدرها للتجديد، لكن الوفاء للأصل.

279492D5-4E16-4CCF-BFE9-0D399051773D

الساعة التاسعة صباحا من 19 مارس 2021، لا صوت إلا لمحرك سيارة تعاند منعرجات الطريق الوطنية التي مازالت تحمل بعضا مما خلفه المستمعر عليها، ولا أهمية لتلك المنعرجات العنيدة، فقد تولت أشجار غابة “حرشة” بالأطلس الكبير، بناء جسر الثقة بيني وبين ما تبقى من مسافة للوصول إلى النساجات. كل منعرج صار أشبه بسلم موسيقي، لا يكتمل إلا بالانتقال منه إلى آخر أكثر علوا، فلا أخاف ولا أجزع من فراغ وصمت مطبق إلا ما ترسله الطبيعة الخضراء من جوفها الهادئ، بل أقف قليلا في مقدمة جبل لأسمع رقصة الأطلس في جبال شامخة وشاهقة، كأنها امتداد من السماء. ولكي أذيب صمت المسافات، جربت تاماوايت الديفا “تامهاوشت” بصوتي البدائي والمزعج، كما تفعل النساجات لحظة فرح بإنهاء نسيج ما، ثم أكملت حرث الطريق . من قال إن القرى والجبال موحشة ومملة؟، إنها ملهمة، وتعلم حكم الصمت شرطا للإبداع، هكذا وجدتهن بعد مسافة تقارب 200 كلم من الرباط إلى والماس. نساء يتلحفن الصمت كأنهن في خلوة صلاة استخارة، يتوقف عليها قرار ومصير. يردن السلام بلكنة تغلب عليها الأمازيغية لغتهن الأصل، ثم يحنين رؤوسهن حتى لا يخطئن “أرقيض” بتشديد القاف وتسكين الراء والظاظ، وهي الرسمة أو “اركيم” بالدارجة. تعثرت مهمتي في البداية كونهن لا يجبن إلا بنعم أولا، وغالبا مما يكون التعبير عنها بحركة الرأس. الرأس وحده من يتولى كل شيء، يتنغم على أغنية أمازغية بصوت رديء من تطبيق الراديو على الهاتف، ونفس “الرأس” يفكر في كم من دراع تم طيه وبلغتهن “كم” تم قتله؟ “قتلت ادراع” هكذا يقلن. صحيح، إنهاء عمل ما أو قطع مساحة هو نوع من القتل. كم يحسن البدو التعبير ويصبن في وصف الأشياء والأحاسيس والأعمال بأوصافها. هن لا يعرفن  العد بالأمتار ولا السنتمتر. فمساحة الزربية أو الحنبل أو الغناسة أو الجلباب الصوفي وحتى بوشرويط  .. يتم ضبطها بالدراع. الدراع يعد وينتج.
7297622B-3205-44B4-89C9-F9FF3AA2159B 50BD5ECE-48A1-4DCF-BCFA-BE77EBAE73AF 23D40D49-9DA6-4BDE-95B5-C9A55903598F

قن رزم

هو اسم التعاونية التي يحضنها مجمع الصناعة التقليدية بجماعة والماس، ومعناه استلهمته رئيسة التعاونية من شكل إحدى الرسومات التي تتكرر في المنسوجات، إذ تفتح وتغلق ثم تفتح الرسمة إلى أن يتم الانتهاء من القطعة، و”قن” هي افتح و”رزم” اغلق. في “قن رزم” التقيتهن، نساء مازلن يحصن تراث المنطقة من امتداد الصناعة الصينية إليه، كما يحرسنه من عبث “الماكينة” أو الآلة حتى ولو كانت سومة بيع الخبرة ضعيفة وتواجه منافسة غير الأصلي منها. لكن النسج في ثقافتهن يعني، أيضا، ملء الفراغ، والهروب من تجمعات واجتماعات لا فائدة منها،  فضلا عن كونه وسيلتهن لتدبير الحاجة لأغطية وأفرشة الأسرة. وتدبيرها غير متاح لكل النساء، حتى أن أغاني الأمازيغ تغنت بنساء أزطا أو المنسج، وصفتهن: “الحادقة”، والحداقة لا تكون إلا موصولة بمعرفة عوالم الجز والغزل، وضبط المناول والمدراة والقرشال..، هكذا يقيمون الفرق بين امرأة وأخرى بترديد: “ثاحيوطة مونودم شوف لالم أورينام، مايتكا ايثاضوت شوف لالام أورينام”.  بمعنى: الحمقاء الغاطة في النوم، انظري إلى سيدتك خلفك، ماذا تعمل بالصوف.
3AF06BFB-236C-4352-8238-C017DD11CBF1
جمعة، تقدر سنوات عمرها بالإطلالة على الخمسينات، بينما ملامح وجهها التي غزتها التجاعيد تقدم أكثر مما تقدر هي. امرأة فتحت رحمها على سبع ولادات متكررة بين بنات وأولاد، وتدربت على ألا يكون لها وقت فراغ حتى صار المنسج يلي الصلاة في ترتيب انشغالاتها اليومية: “روحي هي المنسج، ولا يمكن أن أبقى دونه، إلى “ما نجيت بحال إلى مادرت والو”، قالتها بحروف متلعثمة ومفخمة، لأنها تبلتها بأمازيغية صافية، ومن لا يعرف كيف يتحدثن، يظن بأن السبب هو الخجل، لكنها طريقتهن في التواصل حين يحاولن بالعامية المغربية. لم تخف، جمعة، التي تشتغل بتعاونية “قن رزم”، أن النسج شاق ومتعب، وأن الدراع أول عضو يتضرر منه،  كما الأصابع التي تصير بحال من الإعوجاج عند من لهم مشاكل في بنية العظام، لكنه الحياة بالنسبة إليها، ولا تتخيل أن تنهي منسجا ثم تستكين للعدم. “بعد الانتهاء من أشغال البيت، أدخل المنسج، أفكر فيه فقط”. قالت جمعة التي وجدتها تجرب لأول مرة في حياتها،  نسج جلابة رجالية مرقومة معروفة بجلابة رويشة، نسبة إلى الفنان الراحل محمد رويشة الذي عرف بارتدائه لها، فقد ألفت نسج الزرابي والحنبل أو أكناو وغيرها. والاختلاف أن الحنبل صعب،  لأن لا فراغ بين رسومه، بينما الجلباب توجد فراغات لا رسم فيه بين كل” ركمة” وأخرى، تقول جمعة التي لا تفضل عن الصوف البدائل الحديثة وهي الخيط.

صباغة الله

“ثوغم ن ربي” أي مصبوغة من الله، التعبير أمازيغي يعني أن خيوط المنسج مصبوغة بصبغات من الطبيعية، والطبيعة هي خلق الله في أرضه ، لذلك اعتبروا صبغاتها من الخالق لأنها لم يدخل فيها المصنع بمواد كيماوية. توجه عزز من ميول الزبناء و السوق بشكل عام، في السنوات الأخيرة إلى “البيو”. “البيو” لا يرتبط بالمواد الغذائية فقط، كما يعتقد الغالبية ويعتبره مجرد موضة شاعت لدى البعض، بل هو أسلوب حياة طال كل شيء، من مواد التجميل إلى قطع الديكور والأغطية والأكل وغيرها. هكذا تحررت النساجات من المواد الملونة التي تباع عند العطار كما في السابق، والتي تحتوي على نسبة عالية من المادة الكيماوية الضارة والمسببة للحساسية لمن ينسجن،  و لمستعملي المشغولات الصوفية أيضا، وتلك  واحدة من مقومات الجودة التي جعلت، لتعاونية “قن رزم”، إشعاعا تجاريا من قبل بعض وسطاء السوق الخارجية، تماما كما المشغولات اليدوية التي تخرج من محيط مجمع الصناعة التقليدية بوالماس. تقول زهرة جنانات رئيسة تعاونية قن رزم أن اختيار المادة الطبيعية لصبغ صوف النسج أعاد الاعتبار لللأعشاب العطرية المشهورة في المنطقة كالأزير، الدباغ، أزاز، إضافة إلى الحرمل والحناء والملون زعفران البلدي وقشور الرمان، وكلها ملونات لا تتغير درجة اللون فيها بعد التنظيف.
32010AD8-56B1-45BB-8A6B-5A4A927A5DA9
“تاملوت” ربة “تاسكا”

قديما، لم يكن لنساء القرية نادي خاص ب “أزطا” وباقي أنواع المشغولات الثقيلة: الحنبل الغناسة، والمخدات الصوفية المرقمة برسومات لها دلالات أمازيغية. فكل النساء يتعلمنها تماما كما يتعلمن العجن وسقي الماء من أمهاتهن، عكس المشغولات اليدوية الأخرى كالتطريز الذي كن يتعلمنه في نادي نسوي. هذا جعل البيت  المكان الوحيد الذي يحضن هذا التقليد الهام. وفيما مضى أيضا، كانت هناك نساء  يستأجرن لنسج زرابي العائلات، ويشتغلن ببيع خبرتهن بأثمنة بخيسة، كما يتكلفن بتعليم الفتيات كل خبايا الصوف والمراحل التي يمر منها قبل أن يعتلي منول النسج، ولازلت ذاكرة نساء كثيرات تحتفظ بعرافة النسج الزياني: تامالوت، اسم  أمازيغي معناه الظل، ومفرده أمالو. كانت تاملوت تتلحف بايزار  من الثليجة الشفاف، وتعقف راسها بتاسبنيت الحرير الأ مازيغي، وتتعطر من الأعشاب العطرية التي تستعمل في صبغ الخيوط، ثم تدخل المنسج كأنها في محراب صلاة، حيث الخشوع يبلغ مداه كي لا تخطأ الرشمات، والصمت المطبق هو دليل الخشوع. في تعاونية قن رزم حظرت ذكرى تامالوت في حديثي مع رئيسة التعاونية، إذ هي من علمتها، في سن صغيرة، حين تم الاستعانة بها لتنسج لبيتهم واحدة من زرابيه، كانت المعلمة حينها قد بلغت من العجز والشيخوخة ما بلغته، لكنها أيضا بذاكرة الفيل التي جعلتها ترص صرح “مدرستها” المتنقلة قبل أن تودع الصوف وعوالمه إلى رحيل أبدي.

النساء اللائي كبرن دون نادي يحضن خبراتهن في نسج الزرابي، صارت لهن تعاونية، بل تعاونيات تثمن سنواتهن في سد ونسج وعرض منتوجاتهن، كما صار لهن فضاء خارجي ينتقلن إليه فضاءً للشغل عكس السابق. لكن بالسؤال عن المقابل الذي يتقاضينه، فضلن الحديث عن البراكة، وهي تعبير عن القناعة ولا إضافة بعد هذا التلميح. هنا تدخلت رئيسة التعاونية لتؤكد أنهن يشتغلن بالدراع ، وثمن كل دراع هو خمسون درهما، ومساحة الزربية مثلا لا تتجاوز ثمانية أدرع، بمعنى أن المستفيدة تتقاضى 400 درهم  عن قطعة قد تصل مدة الاشتغال بها حتى شهر وأكثر.

3E83C086-1EC8-4986-AC49-B35B939CCDD6

“تسكا” وكورونا صراع البقاء

“الحرفة إلى ما غنات تستر”، مثل مغربي عامي، يشددن عليه بأنامل وراحة أياد تحمل أثر عقد الصوف، وبرم الغزل، ومشط ما جز من خراف ونعاج وأكباش..، هن مستورات فقط، وصناعتهن لم تغنيهن عن الحاجة، لكن، من ينصت لكلامهن الشبيه ببوح خجول، يفهم فلسفتهن: “الستر” أحسن من الغنى، لأنه يضمن استمرار إنسانية الإنسان، تلك الانسانية التي تقفز على المصلحة الخاصة إلى العامة، لتحصن التراث الجماعي المنتمي للعامة من الاندثار حتى ولو كانت لا تحصن حياتهن من تقلبات الزمن. وفي زمن كورونا، زمن الوباء والموت غير الرحيم، انقلب كل شيء  بسرعة قياسية ليوقف البضاعة عن الرواج بعد أن سدت الطرق كما الأجواء، وصارت قريتهن الساحرة، وصناعتهن النادرة،  في حكم الركود التام. وبفارق عمن أصيبوا بالإحباط، لم يوقفن “تاسكا” عن ضرب خيوط المنسج، كأنهن بذلك يقرعن صدر الحياة لضخ الأكسجين به، ولم يطوين المناول كما يفعلن عندما تكون جنازة ما كأنهن يكنسن الأعلام تعبيرا عن الحزن، بل بقين خلف المنسج يتلهين به ضد الوباء، وكأنهن مكلفات بإقناع العالم  بأن طريق الصوف هو طريق الحياة لا الموت، حتى ولو صارت مواكب الموتى تربك الخطوات، وتهددهن في الطريق المؤدي إلى مجمع الصناعة التقليدية .

زهرة جنانات رئيسة تعاونية “قن رزم”

حدثينا عن كيف جاءت تعاونية للنسيج وإخراج النساء من بيوتهن إلى فضاء مجمع الصناعة التقليدية مستفيدات؟

قبل التعاونية، كانت انطلاقتنا ب جمعية “تاسكا” لتنمية المرأة القروية، وقد استفدنا خلالها من مساعدة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بناء على مشارعنا الجادة. كان ذلك منذ عشر سنوات. بعد ذلك  أسسنا تعاونية قن رزم، والهدف، كما بالنسبة إلى جميع التعاونيات، هو الجانب الربحي وإدماج النساء في العمل المنتج. سبع نساء هو العدد الذي انطلقنا به، ولم يكن سهلا أقناعهن بالخروج من بيوتهم لنسج الزرابي بمقر التعاونية ببيتي ، والإقناع كان في اتجاه الزوج أيضا بالنسبة للنساء المتزوجات، وكان من بين اقتراحاتهن أن ينخرطن ويبقين في البيت لنسج ما يطلب منهن.  طبعا لم يكن الهدف هو خلق تعاونية “كسولة” تحافظ فيها النساء على فضائهن التقليدي. المنافسة تفرض أن يوجدن في مكان واحد كي يتحمسن للعمل، واحترام مواعيد تسليم الطلبيات.

بالموازاة مع تنمية النساء يبدو أن هناك خلفية أهم وهي الحفاظ على الموروث الصناعي؟

صحيح، لذلك أشركنا فتيات المدارس في أهدافنا، بحيث فتحنا أمام من ينقطعن عن الدراسة إمكانية تنمية قدراتهن في مجال النسج، وقد استفدن من مشروع خاص بعد إطلاق قسم للتدرج المهني، وهذه مبادرة مكنت الكثيرات من فتح مقولات خاصة بعد الحصول على شواهد، كما أهلت أخريات للعمل في معامل شمال المغرب.

هل تغيرت أوضاعهن الاجتماعية على اعتبار أن التنمية الأساسية هي بشرية بالضرورة؟

أكيد تغيرت وضعيتهن بدليل أنهن لا يتوقفن كلما انتهين من طلبية، والتغيير طال أيضا اتساع الفضاءات التي يرتدنها، فقد صارت المنخرطات والمستفيدات يشاركن في معارض خارج المنطقة، هذه الخطوة وسعت من تجاربهن في الحياة وخبراتهن المهنية، هنا أريد أن أوضح أن النساء الأرامل لهن الأسبقية في الاستفادة من خدمة التعاونية، وهذه الجزئية لها سبب ذاتي مرتبط بكوني كنت أيضا أرملة، وأعرف جيدا أن تعيش امرأة هذه الوضعية.
82AC8D56-E85D-4B32-91AA-90DDD391B4C9

اليوم، ماهي التحديات التي تواجه القطاع بشكل عام؟

التسويق أكبر عائق منذ سنة، والسبب هو الوباء، مع ذلك لم نتوقف لأن بعض التسويق كان يتم عندنا عبر النت، واعتبارا لكون هناك زبناء لا يتواصلون معنا إلا بالانترنت، فقد ظل نافذة لنا للاستمرار رغم ظروف الحجر، ورغم الضعف الذي صارت عليه الطلبات.

نعيمة الحاجي

على غرار دول العالم، تخلد وزارة الصحة والحماية الاجتماعية اليوم العالمي لمحاربة داء السل، الذي يُنظم هذه السنة تحت شعار: "السل يتجاوز الرئتين : لنعزز الوعي بالأشكال خارج الرئة".
يعكس التصميم الجديد رؤية بين التراث والحداثة، ومزيجا مبتكرا بين التراث المغربي العريق والروح العصرية، حيث تم دمج الرموز الثقافية الخالدة مع لمسات تصميمية حديثة، ليقدم منظورا جديدا يحتفي بالأصالة المغربية مع تبني الابتكار.
أثارت عبير صبري الجدل بإطلالة من أكياس بلاستيكية صفراء، في تجسيد لترند “الكيس الأصفر” الذي يحوّل البساطة إلى موضة لافتة، وسط تفاعل واسع بين السخرية والإشادة بجرأتها.