أمام هذا الوضع، يصعب علينا ان نقول مع “أدونيس” في أحد البرامج التلفزيونية: “أن أكبر أكذوبة فنية هي الشيء الذي يسمونه الجمهور، ما له معنى، فنيا لا معنى له، وأنا أقيس تدني الشعر بمدى جماهريته…”
فهل يمكن أن نتهم الجمهور بتدني الشعر على حد قول “أدونيس”؟
بطبيعة الحال لا وألف لا، فكلام أدونيس نسبي قد لا نأخذه على سبيل الإطلاق، ولعله يكون استياء من وضع ما، لكن أهمية الجمهور ووجوده بمستوياته المتعددة كان عبر التاريخ عنصرا مهما ، وفي مجموع الفنون وغيرها كذلك. ولولا الجمهور لما استمرت هذه الظواهر الفنية تجر من ورائها جماهير غفيرة، فهي قد تختلف في كمها بين فن وآخر، ولكن القاعدة واضحة…
ويمضي “أدونيس” قائلا في البرنامج التلفزيوني أنه: ” بقدر ما تكون عند الشاعر جماهرية، يكون لي دليل على تدني شعره”، والظاهر أن في قوله هذا إما استخفاف بالبرنامج والقناة وبجمهور مشاهديها، أو غيرة من شعراء من ذوي الجماهيرية العالية، أو حتى من انعدام أي تقدير لديه عن الجمهور الذي توليه الدراسات والمناهج المعاصرة الاهتمام الأكبر، هذا حتى لو طبقنا عليه قوله هو شخصيا…
ويستمر “أدونيس” في نفس البرنامج التلفزيوني بقوله أن :” “نزار قباني” جماهيره حجاب على شعره، وجماهير “نزار” لا تحب الجميل في شعر “نزار”، وإنما تحب المبتذل والعام والمشترك، وهذا الشيء ينطبق على “محمود درويش” وعلى الشعراء… وعلي وعلى كل الناس…”.
هكذا يمضي “أدونيس” ضاربا عرض الحائط مستويات الجمهور من عادي إلى يقظ وما بينهما، وهم نماذج ومستويات كثر من الجمهور، لينتهي مؤكدا كلامه بقوله : “الجمهور لا يحب إلا المبتذل السطحي، العام المشترك الذي لا معنى له في الأخير، ولا قيمة له…”، وفي كلا مه هذا إسقاط على حالات ضعيفة وقليلة وليس على العموم، لأنه لولا الجمهور لما تطورت وارتقت الفنون بأنواعها، ولولاه لما عرف “نزار قباني” ولا “محمود درويش” ولا هو شخصيا وغيرهم كثير ممن عرفوا طريقهم إلى العالمية وترجمة أشعارهم إلى لغات العالم…
إن الجمهور هو حضور مشاهدين أو قراء حول فن ما عموما لتحقيق متعة ورغبة، وهو شرط لتحقيق التواصل بين مرسل ومرسل إليه، بين مبدع ومتلقي وبين عارض لمنتوج فني أو غيره ومستهلك، وحيث أن العرض في هذه الحالة مهما كان نوعه مكتوب أو مرئي، يبنى على تصور مسبق للجمهور، يحدد له مواصفات لها علاقة بالثقافة، وباللغة، وبالأفق، وبالفهم، وبالإقناع في معالجة قضايا، وبكل ما يتعلق بأهداف التلقي المسبقة عند المرسل، وعلى رأسها تهذيب ذوق الجمهور وتنويره ثقافيا…، من تلك التي يتحكم فيها بكل وعي ويريد إرسالها للمرسل إليه، بالإضافة إلى ما لا يعيه ويتجاوزه إبداعيا، وهو في غالب الأحيان ما يعطي قوة وسحرا واستمرارية للإبداع الفني…
لقد أبدع الإنسان عبر التاريخ بحق، وترك لنا من إنتاجاته روائع تحتفظ بها الذاكرة الإنسانية، وصنفت عبر التاريخ من خلال إعادة إنتاجها وترويجها، ولا زال الإبداع المعاصر يتدفق علينا في كل يوم، وجمهوره يستهلكه بقوة ويجد فيه كل أنواع المتعة والرغبات…