عبدالقادر الشاوي يكتب : باخرة الهجرة

ما كان ليتوقع أحد، في بلد تحولت فيه صورة الشاعر المبرّز بابلو نيرودا إلى "سلعة تجارية" رائجة ومربحة إلى حد ما، أن يُكشف النقاب، والمثاليات التي تحيط بالشاعر على درجة عالية من الاعتبار،

كما أن حياته الأيقونية محاطة بكثير من الألغاز والرموز، عن تجربة فذة قادها بنفسه، وهو يومئذ قنصل بلاده في فرنسا. بل ولعله لم يُنتدب إلا لتلك الغاية، بعيد نهاية الحرب الأهلية الإسبانية، وتحديدا في تلك اللحظات المدلهمة الأخيرة التي جعلت انتصار فرانكو في حربة الدموية على الجمهوريين نهائية وحاسمة.

وقد تمثلت تلك التجربة الفذة في نقل أزيد من ألفي مهاجر إسباني، بالتنسيق مع سلطات بلاده، على متن باخرة  Winnipeg التي غادرت أحد المراسي الفرنسية يوم 4 غشت 1939 لتصل إلى “فال برايسو”، أهم وأكبر ميناء في جنوب البلاد، يوم 3 سبتمبر من نفس السنة… منقذا إياهم، بطبيعة الحال، من فاجعة نهاية الحرب المخزية أو الهزيمة المذلة سيان، هذا إلى ما كان ينتظر عموم الناجين، في إسبانيا أو في المنافي، من تنكيل أو سجن أو قتل أو تشريد. ولا يمكن للمرء إلا أن يندهش لجراءة شاعر رومانسي سريع الغواية.

ولذلك أجده وقد أبلى، وهو ما تذكره المصادر أيضا، في تنظيم العملية وقادها بحنكة إلى النجاح في ظروف سياسية لم تكن سهلة، بل في غاية الارتباك، ولا كانت شروطها مسعفة في الوقت الذي كانت فيه أوروبا كلها تحت التهديد الألماني بإشعال فتيل للحرب العالمية الثانية. غير أن المحير في هذه التجربة، بعد هذا الإطراء، هو ما أحاط بها، أو شابها، لو التمسنا عذرا ما، من خروق فظيعة لم تعرف في وقتها إلا على نحو ضيق، فيما يبدو أن في معرفتها اليوم، استنادا إلى كثير من الشهادات، فيه ما قد يطعن، على الأقل من الناحية الرمزية، في صدقية من نظمها ونوايا القائمين على تنفيذها والنبل المفترض الذي كان وراء القصد. وآية ذلك أن بابلو نيرودا وهو ينظم العملية، بكثير من الحرص والسرية المطلوبتين، لم يتردد مطلقا، فيما يبدو، في إبعاد ورفض جميع المشتبه في عدم انتمائهم السياسي والمذهبي للحزب الشيوعي وللتنظيمات الشعبية التابعة له. فجاءت “لائحته” مقلوبة من باب التشبيه العكسي لها بلائحة “شيندلر” الشهيرة كما قال الكاتب الأمريكي استيفان شوارتز، لأنها كانت على شيء واضح من التمييز الذي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية التي تم فيها لاعتبارات إيديولوجية وسياسية، كما قدمنا، لوجدناه مغرقا في الإجحاف، الأمر الذي كان يعادل في ذلك الوقت نوعا من الحكم المسبق، بل المؤكد، بالاعتقال أو بالموت، على من أصابهم بإجحافه.

يقول شوارتز السابق الذكر بأن نيرودا استغلّ منصبه الدبلوماسي ليتأكد من أن جميع جوازات سفر المرحّلين على ظهر الباخرة هي، في العموم، للمهاجرين الذين يشاطرونه أفكاره السياسية ومعتقداته الإيديولوجية. ومن بين الحالات المثيرة التي غذت مشاعر الكراهية تجاه الشاعر تلك التي ارتبطت باسم القائد الفوضوي “جوزيف بيراطس” الذي هرب من إسبانيا بعد انتصار فرانكو في حربه ضد الجمهورية، ثم تمكن من الفرار إلى فرنسا من أحد المعتقلات، ولما التحق بالباخرة صحبة عدد من رفاقه أُنْزٍل بدعوى أنه لم يكن شيوعيا أو لم يكن ستالينيا بالأحرى. كما جاء في كتاب حول (الكونفدرالية الوطنية للعمال والثورة) أن الشيوعيين كانوا يتحكمون في كل شيء، وأن نيرودا، في حالة الشيلي، هو الذي قام بالاختيار الدقيق وتعهده بالعناية وزاده بالمراقبة والتمحيص. كما تذكر بعض المصادر أن بعض المهاجرين من غير الشيوعيين تمكنوا من ركوب الباخرة، غير أن فيهم من أنْزٍل بعد ذلك في ميناءٍ رست فيه الباخرة بعد مغادرتها لفرنسا… كما وقع للفنان إيوخينيو فرنانديث غرانيل لأنه كان تروتسكيا لا يُخفي قناعاته.

كانت توجيهات حكومة (بيدرو أغيري ثيريدا) الشيلية تلح على أن يكون المهاجرون الذين سوف تقلهم الباخرة من القادرين على العمل في المجال الصناعي والمعادن والفلاحة، غير أن الشاعر نيرودا، الذي كان في ذلك الوقت قد أصدر ديوانه الموسوم (أغنية حب إلى ستالينغراد)، وهو على حماس وحمية بالغيْن للاتحاد السوفياتي، لم يتردد نهائيا في اعتماد توجيهه الخاص الذي قضى حصرا بإبعاد التروتسكيين والفوضويين… وقد اعترف بذلك على كل حال ولو أنه سعى مدعيا، كما قال عن نفسه، إلى إنقاذ “الصيادين والفلاحين والعمال والمثقفين، أي عينة تمثل القوة والبطولة والعمل”. ثم زاد قائلا في مذكراته (أعترف بأنني عشت): “لقد هيأت لنضالهم في شعري وطنا، ولذلك شعرت بالفخر”. هل يصلح الشعر لأن يكون وطنا؟ وهل يجوز القول إن الفخر، من حيث الحكم، كان مرادفا للموت ومتعادلا، من الزاوية الإيديولوجية، مع الظلم؟.

ارتفاع الأرقام المسجلة يعود بدرجة كبيرة إلى تحسن الكشف المبكر والتشخيص الدقيق أكثر من كونه زيادة حقيقية في نسبة الإصابة .
الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب ما تزال حبيسة النصوص، ولم تترجم بعد إلى سياسات عمومية وإجراءات ملموسة على أرض الواقع".
تهم المرحلة الأولى من إطلاق هذه المنصة قطاع مواد التجميل والتنظيف البدني، الذي يضم أكثر من 3500 فاعل، حيث سيتم من خلالها رقمنة جميع المساطر المرتبطة بتصاريح مزاولة الأنشطة وتسليم الوثائق الإدارية.