عبدالقادر الشاوي يكتب :مريانو، يا ضحية ملتمس الرقابة

واللهِ لمْ يقرأ صفحة واحدة،وعلى امتداد مسافة الرحلة ويده اليمنى لا تكف عن مداعبة شيء فيه كان نائما مِنْ تَعَبٍ. كانت الصور أمامه في الشاشة متوالية تَقُصّ عليه فيلما لم أتوفّق في معرفة عنوانه ولا ممثليه

لم يكن مهتمًا بمرور تلك الصور أمام عينيه الذابلتين. لم يكن على أذنيه ما قد يُسمعِه أي حوار يجري في خضم الحركة الدائبة في الفيلم المعروض أمامه … في ذلك العلو الشاهق، ونحن في الطائرة التي تحملنا من مكسيكو إلى مدريد. ثم لم يكن، في قعدته التي طالت على الكرسي، مرتاحًا تماما. يُحرّك رجليه بتناوب مضبوط. يعتدل في الجلسة. قام أكثر من مرة وسحب شنطته من مرقدها لكي يُخرِج منها بعض أغراض. سقطتْ الوسادة التي كانت تسند ظهره في الممر. ولو قلت إنه لم يتناول طعامًا في هذه الرحلة لأدركتَ معي أنه قد يكون شرب كأس ويسكي أو أكثر، وأرجّحُ أن غُولَهُ[1] امتزج بالماء. العلو حمّال تخاريف كثيرة. والطائرات السارحات في الأجواء العليا تثير، يا للهول، كثيرا من الخوف، فتزيد من فوران العقل الباطني المرتج، وتجعل التأويلات المُربِكة قاتلة في كل مَطَبّ جوي.

فجأة سقط شيء من بين يديْه. احتار وتلف. تقَوّس في حركات. غيّر الوضع الذي كان عليه، فرأيتُه ساجدا يمعن النظر في بحث مستحيل. جاءت المضيفة وبحركات خفيفة متقنة رفعتْ الكرسي آليًا بحيث جعلته في وضع يكشف ما تحته. ذاتُ القميص الأحمر دَرِبَةٌ هبّتْ لإغاثة الملهوف. ابتهجت أساريره. شكرها بلطف.اعتدل في جلسته من جديد. وضع الهاتف النقال، وهو في وضع الطيران، بين يديه، وبدأت الصور العائلية والكتابات السياسية، على الأرجح، تنثال على شاشته.

كان يبدو عليه الكثير من الوقار. لم يتكلم إلا في حالات ثلاث، أي أنّه شَكَرَ واعتذر ورفض. كلام محسوب يمكن التكهن بنواياه، وقد يحسبه السامع ضربًا من الخرس المحبوس في القصبة الهوائية. غير أنه ابتلع فطوره الصباحي بنهم حين شرعت طائرتنا في التحليق فوق الأجواء الإسبانية، على ارتفاع أقل مما كنا عليه في ذلك الفراغ الأطلسي الرّاغي. ولم يتوقف عن تحريك رجليه كأنما بهما اهتزاز آلي. يقول فرويد، على ما قرأتُ له في تدوينة إكلينيكية، إنها عادة مكتسبة منذ الصغر.

اكتشفتُ عن قرب أنه يصبغ شعر رأسه أو بعضه، فيما كان الشيب قد غزا لحيته وكساها ببياضه الشفاف. لماذا عَفَوْتَ عن الصبغ يا هذا المُسِنّ؟ والأغرب من كل هذا أنه لم يُمثّل دور عظيم ولا متجبّر ولا خطيب يَمْضَغُ حروفا لَثيّة، سماها الفراهيدي بالأسْليّة، ولا أي شيء. كان من البادي أننا تعرفنا عليه جميعًا. إنه هو بنفس النظارات الطبية، وبنفس الحركات التي تبدر منه دائما في البرلمان وفي العمل الحكومي نفسه، وهو يجادل خصومه أو يتهامس مع ثريا دي سنطامريا. هوّهُوّ. حركة يديه وهو يحتد ويتوعد بطريقة ديموقراطية في غالب المناقشات التي دافع فيها عن يمينيته ضد يساريتهم. وزاد في الغرابة أن أحدا لم يتقدم للسلام عليه، كما يفعل بعض المغاربة تزلفا للمشهورين منهم ومن غيرهم، ومن جميع التفهاء. لا أحد حيّاه، ولو كان في المغرب لَوَقف مُعَارضٌ شرس في وجهه منددا بسياسته الليبرالية المتوحشة، وانتمائه اليميني الأزْعَر.

لم نعبأ به أصلا، ولا فصلًا كذلك. أقصد: هم الذين في غالبيتهم إسبان وأنا بالمصادفة. ليس من حقي أن أتكلم عن بواطنه. هل أحس بالخذلان وويلات النكران؟ هل تحرك دمه في اتجاه الدورة التي لا تكف عن الضخ؟ لست أدري. البادي عليه، في أطوار هذا السفر، أنه ابتلع حقيقته الأولى التي تجعله مواطنا سياسيا مهزوما ومخذولا… ولا الهزيمة، مع ذلك، قضت عليه، أو دعاه الخذلان، كما كان دأبه في الدعوة إلى الاجتماعات، لتحقير نفسه. لقد مر في الحياة الإسبانية مرورا مسكونا بالتجاهل تقريبًا منذ أن كان يمينيًا هادئًا… إلى أن أصبح رئيسا متنفّذا.

ومن عجبي أنني أدركتُ، ولو بعد فترة طويلة نسبيًا من جريان الأحداث السياسية في إسبانيا، بما فيها من مشاحنات ومنافسات، كيف أمكن لِتَحَالف الحزب الاشتراكي العمالي، مع بعض اليساريين الطارئين على البرلمان، أن يُسقِط كبرياءه بجرةِ تصويتٍ من سُدّة الحكم. ومنذ ذلك الإبان انفتحتْ الحياة السياسية الإسبانية على مجهول التوترات العامة، فظهرتْ أحزاب، وبرزتْ تطلعات، وخرج اليمين المتطرف من جحوره لمطاردة المهاجرين وتبخيس النساء.

إنه ملتمس الرقابة على المجهول يا (مريانوراخوي)، مع التحية وسلامة الوصول إلى البر الإسباني المتحول.

________________________________

[1]  ما ينشأ عن الخمر من صُداع وسُكر alcool

إيطاليا تمنح المصمم المغربي هشام لحلو وسام "فارس" اعترافا بإسهاماته في التصميم وتعزيز التعاون الثقافي بين البلدين.
في إضافة نوعية للسينما المغربية، يستعد فيلم الرعب والتشويق "فندق السلام" لاقتحام المهرجانات الدولية، بعد تتويجه بجائزة أفضل مونتاج في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة.
قررت وزارة العمل المصرية بتنظيم عمل العاملات في الخارج خاصة في دول الخليج العربي، وشمل القرارر الموجه إلى شركات التوظيف منع تسهيل عمل المصريات في العديد من المهن على رأسها العمالة المنزلية والعمل بالمقاهي، وأثار القرار الكثير من الجدل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.