وذلك من خلال مؤلفها الجديد “لودفيغ دويتش” الذي يصدر ضمن مشروع معرفي تبنته ونفذته مؤسستان ثقافيتان كبيرتان ، هما “جائزة الملك فيصل بالرياض، و “معهد العالم العربي ” في باريس، ممثلا
“بكرسي المعهد “و يهدف هذا المشروع إلى التعريف بمائة عالم وباحث ، من العرب والفرنسيين، ساهموا في تقديم إحدى الثقافتين للأخرى، وأصدره المركز الثقافي للكتاب .
نقطة غموض
كل مبني للمجهول يحمل جينات معلوم ، فلوحة عاشق مستشرق التي لم تخلق فقط السجال المحمل بعلامات استفهام حول ما اذا كانت هي باكورة لودفيغ الفنية، بل تركت الباب مشرعا حول ما سقط من الحكاية من تفاصيل ، هل تخضب قماش بياضها ببورتريه للفنان نفسه كعاشق للشرق كما كان يطلق عليه ؟ وهل كان وفيا لواقعية ريشته أم أنه وظف تقنية التورية والكتمان التي رافقت حياته الخاصة كما أشارت الكاتبة لطيفة لبصير في عتبة الكتاب قائلة :
“حين شرعت في الاشتغال عليه، لم أجد أي مكتوب شخصي عن نفسه وعن طريقته في الصوغ الفني كما هو الشأن بالنسبة للعديد من الفنانين، خاصة وأنه لم يكن من الفنانين الذين يتحدثون عن فنهم وذواتهم، فما عرف عن عوالمه الفنية أو اشتغاله كان من اجتهاد الباحثين والمفكرين والأكاديميين الذين استهوتهم تقنياته وتفاصيله العميقة في نقل الحياة العربية الإسلامية إلى الفن، وتعتبر حياته الشخصية نقطة غموض وقف عليها بعض الباحثين، هذا الغموض يظل آسرا ،كذلك سر عزلته، ظل نقطة غامضة في حياته، غير أن أعماله الفنية جعلته يحظى الآن بمنافسة قوية في العديد من المقتنيات والمبيعات، وذلك لقدرته البالغة على إدهاش المتلقي عند تصوير الإنسان العربي في جل مناحي الحياة الدينية والمعرفية …”
إبطال السحر
أبطل الفنان المستشرق لودفيغ دويتش سحر الشرق الذي داعب حبر الأدباء الاستشراقيين واستهامات ملونة الرسامين الغربيين عبرها، علها توقد نصوصهم الباهتة وتشعل ألوانهم الباردة وهذا ما أبرزته لبصير حيث أشارت في هذا الصدد :
قدم لودفيغ رؤية مختلفة عن العديد من الأعمال الفنية المبالغة في تصوير عوالم لم تكن موجودة في الشرق من الأصل، بل تم تزويرها وتلميعها حتى تحقق الكثير من الإثارة والاهتمام..! لودفيغ لا يتوفر إلا على أعمال قليلة جدا بشأن عوالم الحريم السرية، إن لم نقل لوحتين أو ثلاث لوحات فقط، في حين تقدم أعماله الفنية الأخرى عوالم توثيقية للشرق برؤية واضحة إذ تبرز النساء في أعماله مكافحات في حياتهن اليومية. وللقاهرة عنده تحديدا، اهتمام خاص جعله يحظى بالكثير من الألقاب، لعل أهمها أنه “ملك التفاصيل وأسير القاهرة”.
المرأة بنضج الطوية
بعيدا عن التلصص ولو ذهنيا على حرمة المرأة كما جسدتها الكثير من اللوحات الاستشراقية والتي وقعتها فرشاة ذكورية مهووسة بمواقعة مخصية لحريم مشتهى تبين لبصير كيف ان الفنان لودفيغ كان مختلفا في رؤيته الفنية وتقول:
“قد قدم الفنان لودفيغ دويتش رؤية خاصة للمرأة العربية في حياتها اليومية النضالية مما جعلها تحضر كمكافحة من أجل سد رمق الأسرة، فهي الفلاحة، الجالبة للماء، والحاملة لأبنائها، والراعية للغنم والبقر، والبائعة… وهي فوق هذا كله، امرأة مخلصة للأحياء و الأموات على حد سواء.. لذا اعتبره النقاد أكثر الفنانين نضجا في علاقته بالنساء، فلطالما وجدنا العديد من اللوحات التي رسمها بعض الفنانين قبل أن يسافروا إلى الشرق، تنطلق مما رسخته أعمال أدبية أو حكايات جعلت الشرق باعثا للغرائز، مثيرا للمخيلة…ومسيئا لرسالة الفنان.”
لودفيغ الموثق
لم تغفل الكاتبة في متن الكتاب إرفاق هذه المقاربة الشاملة لحياة ومسار الفنان لودفيغ ببعض لوحاته المعنونة والتي ارتأت لبصير أن تمتعنا بقراءة في هذه الاعمال كل باسمها كلوحة بائعات البرتقال وحارس القصر و امراة عربية وغيرها لتقربنا من
اسلوب لودفيغ الفني والذي وصفته ” بالواقعية القصوى أوالمفرطة وكأنها تصوير فوتوغرافي، وبالرغم من اعتماده على التصوير في بعض الأحيان إلا أن أسلوبه فريد في نقل مختلف المواضيع التي ميزت البيئة العربية.
وقد سخر هذا الأسلوب بطريقة جعلته يوثق لكل المظاهر الثقافية والدينية والروحية والاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها مصر في القرن التاسع عشر، حتى لكأن مصر أصبحت ضمن لوحاته مثل روبورتاج توثيقي نستعيد معه أجمل اللحظات التي مرت بها القاهرة في تلك الفترة وأصعبها في الوقت نفسه. فبهجة الحياة وشجنها يتجليان في الأسلوب والتقنيات حتى أن الكثيرين من الهواة، من شدة تدقيقه في هذا النقل، راحوا يقتدون به ويستلهمونه في فنهم! وربما مرد ذلك أيضا، لانبهاره بما تمثله القاهرة من اختلافات طبقية تجلت بوضوح في الملابس التي تميز أصحاب القصور والأثرياء عن الناس البسطاء؛ نقول هذا على الرغم من كونه كثيرا ما كان يظهر بعض أصحاب المهن، مثل بائع الأثاث في قمة الأناقة! وذلك بالتركيز على كثرة الصدف والحلي التي ترصع هندامه. وحتى الحارس يظهر في أبهى حلة كشرط من شروط التواجد أمام القصر للقيام بمهمة الحراسة بكل جدية وبمهابة، والظاهر أن هذه التفاصيل تعود في نظري، إلى اختياراته الخاصة في تلميع صورة الأشخاص الذين ينبغي أن يتميزوا كونهم يمارسون مهنا شريفة ومهيبة!
وللاشارة فان لودفيغ دويتش ولد في فيينا سنة 1855، وهو ينحدر من عائلة يهودية، كان والده ممولا، وأحد رجالات البلاط الإمبراطوري النمساوي ، درس في أكاديمية الفنون بفيينا
قبل أن يستقر في باريس، وتتلمذ على يد فنان التاريخ جون بول لورينز، رسم العديد من المواضيع التاريخية التي بعث بها إلى صالون الفنانين الفرنسيين منذ سنة 1879. وبعد 1883 أصبحت لوحاته تجسيدا لمشاهد من الحياة اليومية؛ مثل قبر الخليفة 1884، الراقصون النوبيون 1886، المفضلة 1888، الأزهر الجامعة العربية بالقاهرة 1890 .
فتيحة النوحو


