الفيلم السينمائي “بنات محمد” للمخرجة الإسبانية الكتلانية سيلفيا مونت، يلفت نحو طبيعة الوجهة التي يفرضها هذا الفيلم على مشاهديه، حتى يتناولوه من خلالها، وكذلك حجم الانزياح الذي أراد أن يخلقه عن مسلك التجارب السينمائية الإسبانية الأخرى التي تعاطت مع الأخر العربي موضوعا سينمائيا. فهو عمل يضع متلقيه في عتبة على مشارف مرآة جديدة تتيح له ممارسة النقد الذاتي. والمرآة نفسها تلك تعري كذلك كثيرا من سلوكيات المجتمع المستقبل والمحتضن للثقافات الوافدة ، وتدعوه إلى التعاطي مع الآخر من موقع الإحساس بإمكان وجود تشوه في طبيعة الرؤية للأخر وليس في موضوع الرؤية الذي يعد في هذا المقام ذلك الآخر العربي.
الفيلم يحكي قصة طبيبة تدعى كارمين، مختصة في طب النساء، ستضطر لمجابهة الثقافة المغربية باعتبارها أحد مكونات الثقافة العربية في المهجر الإسباني، عندما رفض زوج إحدى مرضى الطبيبة، ويدعى “محمد” يعمل جزارا قبول زوجته “شهيدة” التي وضعت له طفلة أخرى، بينما كان يتطلع إلى استقبال مولود ذكر. وستضطر الطبيبة كارمن إلى مباشرة قضية “شهيدة” بنفسها إذ ستقرر العمل على إقناع زوجها بالعدول عن فكرته وقبول الطفلة الجديدة وزوجته. وسيأخذ هذا القرار الطبيبة إلى الغوص في سراديب الثقافة المغربية العربية، ومجابهة كثير من الأفكار والمعتقدات والسلوكيات نتيجة تشعب علاقتها مع أفراد هذه المجموعة الثقافية. وبموازاة مع ذلك ستتعرف الطبيبة كارمن على أخ “شهيدة” المرأة المغربية التي تعالج قضيتها، وهو شاب متنور حاصل على شهادة جامعية عليا، ويدير متجرا لبيع المنتوجات التقليدية المغربيةالعربية يدعى “عامر”. وستكشف كارمن مع تشعب علاقتها بالمحيط المقرب من “شهيدة”، ومع عامر على تقاليد هذه المجموعة الثقافية ومعتقداتها وأفكارها، وحساسياتها كذلك، وستخبر مع مرور الوقت طرق التعامل مع المنتسبين إلى هذه الثقافة. ستأوي الطبيبة كارمن “شهيدة” وبناتها الثلاث بعد أن رفض زوجها وأبو بناتها “محمد” استقبالهن في بيته غضبا عليها جراء وضعها طفلة وليس طفلا، ومن هناك ستشرع في البحث عن طريق لإعادة شهيدة إلى بيت زوجها، حيث ستضطر إلى اتخاذ حوار مباشر وثقافي مع محمد.
إن أول ما سيقتنصه المشاهد وهو يتابع تطورات أحداث الفيلم السينمائي، “بنات محمد”، هو نزوع هذا النص السينمائي نحو تفتيت الصورة السلبية التي تشكلت كأفق انتظار بالنسبة إلى المشاهد وهو يتلقى عنوان الفيلم ، حيث ستتداعى أحداث لتخلق مسارا جديدا ، تتشكل بموجبها صور جديدة ، تقاوم الصورة النمطية عن هذا الآخر التي أوحت بها تركيبة العنوان. فبنات شهيدة التي رفض محمد الأب استقبالهن وإياها، سرعان ما سينعمن في النهاية بحضن الأب والأم معا، بعد أن يتبين أن الخلل في طبيعة الاعتبار الذي تحظى به الأنثى عموما في الثقافة العربية ليس هو من صميم الثقافة العربية، وليست من توصيات قيمه، بل هي نتاج جهل إنساني لفرد في حد ذاته وعدم قدرته على التواصل مع ثقافته الأصلية، التي هي بدورها تقيم اعتبارا وازنا للكيان الأنثوي. وسنرى الدليل الأوضح على ذلك كما سعى إلى ترسيخه الفيلم كقناعة بديلة لدى المتلقي الغربيالإسباني في هذا الحال، هو لجوء البطلة الطبيبة كارمن في سياق حوارها الإقناعي مع محمد للعدول عن فكرة رفض استقبال زوجته، إلى وضع الاخير (أي محمد) أمام جوهر ثقافته الدينية وقيمها التي يدعي أنه يتمسك بها، إذ سبق و انتفض بعدما دعي إلي بيت أخ زوجته شهيدة، حيث الطبيبة كارمن دعيت كذلك وسعت في محاولتها للتقرب من التقاليد العربية كشكل من أشكال التواصل الفعال، قدمت له “شوكلاته” كان فيها مكون “شحم الخنزيز” فتكون الحجة لكارمن على محمد المواطن المغربي وتضعه أمام مفارقة كيف يقتدي بدينه في أمر “الشوكلاته” ويناقضه في أمر قبول حيث لمحت إلى أنه كان عليه أيضا أن يقتدي بنبي المسلين في تعامله مع بناته.
إن استنجاد كارمن بالتاريخ الثقافي والديني العربي لصياغة الحجج ضد موقف محمد، المواطن المغربي المهاجر، من بناته، وتوقفها عند سيرة النبي وخصوصا تعامل النبي مع بناته، وحثته من ثمة على “الاقتداء بهذا السلوك النبوي”، لإقناع محمد زوج شهيدة باستقبال مولودته الثالثة، سيحقق أغراضا تواصلية أخرى تتجاوز إقناع الشخص داخل المتن الحكائي السينمائي، نحو اقتراح نمط فاعل لشكل التعاطي ثقافيا مع الآخر، وهنا يغدو المعني بالخطاب في هذا المفصل من مفاصل النص المحكي سينمائيا، هو المشاهد الإسباني أيضا، والثقافة المحلية: الثقافة الأصلية لمجتمع الاستقبال. ويؤسس هذا الالتفات البلاغي الإقناعي توجيها قيميا باتجاهين واحد نحو الآخر، والثاني نحو الذات ترشدها الى شكل التعامل الأمثل مع ذلك الآخر أي التشجيع على بدل الجهود لمعرفة ثقافة للآخر بدلا الحديث من خارج الإطارات الثقافية المغايرة. انها دعت الى وضع المرآة أبعد قليلا من حدود الأنف للجميع.