في دراسة نشرت في دورية «علم النفس النمائي»، وقورنت فيها قدرة 840 طفلا على تأجيل المكافأة خلال فترات زمنية مختلفة منذ الستينيات وحتى العقد الأول من الألفية، تبين أن أطفال المجموعة الأحدث استطاعوا الانتظار مدة أطول في المتوسط. وتشير النتائج إلى ضرورة التمييز بين سرعة الحياة الحديثة وبين قدرة الأطفال الفعلية على الصبر.
وتوضح الاختصاصية النفسية جينا فياس لي، في حديثها لصحيفة «الغارديان»، أن الأطفال ليسوا أقل صبرا بطبيعتهم، لكن البيئة السريعة قد تمنحهم فرصا أقل لممارسة الانتظار والمثابرة. كما أن القدرة على الانتظار تختلف بحسب العمر، فالطفل الصغير لا يدرك مدة «عشر دقائق» بالطريقة نفسها التي يفهمها بها الطفل الأكبر.
الهاتف.. حل سريع للملل
عندما يشعر الطفل بالملل أثناء الانتظار، فإنه يضطر إلى البحث عن وسيلة يشغل بها نفسه، وهو ما يمكن أن يساعده على تطوير قدرته على التعامل مع الملل وتأجيل رغباته. لكن اللجوء المتكرر إلى الهاتف في هذه اللحظات قد يقلل من فرص تعلم هذه المهارات.
وفي دراسة نشرت عام 2023 في مجلة «جاما»، وتابعت أطفالا تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنوات لمدة ستة أشهر، تبين أن بعض الأطفال الذين اعتاد آباؤهم استخدام الهاتف لتهدئتهم عند الغضب أو الضيق، أظهروا لاحقا ردود فعل أكثر انفعالية. ولا تثبت الدراسة أن الهاتف هو السبب المباشر، لكنها تطرح تساؤلا حول الطريقة التي تستخدم بها الشاشات داخل الأسرة.
وتشير الباحثة جاكلين نيسي، في حديثها إلى «يونيسف»، إلى أن خصائص مثل التشغيل التلقائي والتمرير المستمر تتيح للطفل الانتقال بسرعة من محتوى إلى آخر، ما قد يجعله يعتاد على الترفيه الفوري والبحث عن محتوى جديد كلما شعر بالملل.
الثقة تساعد الطفل على الانتظار
الصبر لا يتعلق فقط بقدرة الطفل على ضبط رغباته، بل أيضا بمدى ثقته في أن ما ينتظره سيحدث فعلا.
وفي دراسة أجرتها الباحثة سيليست كيد وزملاؤها ونشرت في دورية «Cognition» عام 2012، انتظر الأطفال الذين سبق أن حصلوا على ما وعدهم به الباحثون نحو 12 دقيقة في المتوسط للحصول على مكافأة أكبر، مقابل 3 دقائق فقط لدى الأطفال الذين سبق أن تعرضوا لعدم الوفاء بالوعود.
كما أظهرت دراسة أخرى نشرت عام 2024 أن تشتيت انتباه الطفل عن الشيء الذي يرغب فيه يمكن أن يساعده على الانتظار مدة أطول، سواء من خلال لعبة أو أغنية أو نشاط آخر.
ماذا نفعل عندما يقول الطفل «أشعر بالملل»؟
الملل ليس دائما مشكلة تحتاج إلى حل سريع. فقد يكون الطفل جائعا، أو يبحث عن اهتمام والديه، أو ببساطة لا يعرف كيف يبدأ اللعب.
وتقترح الاختصاصية النفسية ستيفاني لي، في حديثها لموقع «Child Mind»، أن يحاول الأهل فهم سبب الملل قبل تقديم نشاط جاهز للطفل، ثم منحه فرصة للاختيار، مثل تخييره بين الرسم واللعب بالمكعبات.
كما يمكن تحويل فترات الانتظار إلى فرص بسيطة للتفاعل، كأن يبحث الطفل عن أشياء بلون معين، أو يتحدث عما يراه من حوله، أو يحمل كتابا صغيرا.
والأهم هو جعل مدة الانتظار واضحة ومفهومة للطفل، بدلا من الاكتفاء بعبارة «اصبر». ويمكن القول مثلا: «سنخرج بعد انتهاء هذه الأغنية» أو «سنذهب بعد أن ننتهي من تناول الطعام».
فالهدف ليس منع الطفل من استخدام الهاتف، وإنما ألا يتحول إلى الحل التلقائي لكل لحظة ملل أو ضيق. لأن تعلم الانتظار، مثل غيره من المهارات، يحتاج إلى وقت وممارسة وفرص حقيقية ليكتسبها الطفل.