استعدت مع المغاربة ذكريات “بنات لالة منانة“‘ بعد غياب طويل.. هل شعرت بصعوبة في استحضار الشخصية بعد كل هذه السنوات، أم أن روح شفشاون سكنتك بمجرد ارتداء ‘الحايك’؟
في الحقيقة، كنت أشتاق كثيرا لهذا العمل، واشتقت بشكل خاص لشخصية
“السعدية“. طوال سنوات، ظل هذا الحلم يراودني، وكنت أتساءل دائما: كيف
أصبحت هذه الشخصية اليوم؟ كيف تطورت حياتها؟ لذلك، عندما وصلنا إلى
مرحلة التصوير، شعرت بفرح كبير، واعتبرت أن حلما طال انتظاره قد تحقق،
خاصة وأننا كنا ننتظر هذا الجزء الثالث منذ حوالي 14 سنة.
هل كان من السهل العودة إلى نفس الشخصية بعد هذه المدة؟
لم يكن الأمر سهلا إطلاقا، لأن الشخصية، مثلها مثل الواقع، تغيّرت بمرور
الزمن. بعد 14 سنة، لا يمكن أن تبقى “السعدية“ كما كانت، سواء من حيث
مظهرها أو تركيبتها النفسية. كان من الضروري أن يظهر أثر الزمن والأحداث
على أدائها، وأن يلمس المشاهد هذا التطور بصدق.
تحدثت عن لجوئك لطبيب نفسي للتحضير لدورك في مسلسل “البراني“، هل وصلت هند لمرحلة الاحترافية المرهقة؟
هذا الدور كان بمثابة فرصة كبيرة بالنسبة لي، لأنه مختلف تماما عن الأدوار
التي قدمتها سابقا. هو دور مركب لشخصية تعاني من اضطرابات نفسية حادة،
تتأرجح بين الاكتئاب، التوتر، والانفعال. كان عليّ أن أعيش كل هذه الحالات
بصدق، وأن أظهر تعقيدها دون مبالغة.
التحضير كان عميقا ومكثفا. اشتغلنا مطولا على فهم هذه الحالات النفسية، من
خلال البحث في مرجعياتها وأسبابها، وما الذي يجعل الشخصية تصل إلى هذا
المستوى من التعقيد. ركزنا أيضا على التفاصيل الدقيقة، سواء في الحركات أو
في نظرات العين أو حتى في طريقة التفاعل، حيث يمكن أن تتأخر الشخصية في
الرد أو تحتاج وقتا لاستيعاب ما يقال لها. كل هذه الجزئيات كان من الضروري
ضبطها بدقة لنقل الحالة بشكل صادق.
فاجأت الجمهور بلوك مختلف في المسلسل، هل الدور كان بحاجة إلى تغيير إطلالتك أم كان تغييرا شخصيا؟
فريق العمل هو من اشتغل على الشكل الخارجي للشخصية، بتنسيق مع شركة الإنتاج والمخرج، حيث تم البحث في “بروفايل“ يعكس حالة “عالية”الداخلية. الفكرة كانت تقديم شخصية تبدو متماسكة من الخارج، لكنها تعيش انهيارا داخليا. حتى تفاصيل مثل الشعر ولونه تم اختيارها بعناية ليعكس هذا التناقض، وكأنها شخصية فقدت جزءا من حيويتها من الداخل.
كيف تنظرين لمفهوم الجرأة بشكل عام في التمثيل؟
الجرأة في التمثيل لا تعني بالضرورة تقديم مشاهد صادمة أو الخروج عن
المألوف بشكل سطحي، بل تكمن أساسًا في القدرة على طرح مواضيع حساسة
بصدق ووعي. أحيانًا تكون الجرأة الحقيقية في مجرد فتح النقاش حول قضايا
مسكوت عنها، وتقديمها بعمق إنساني يحترم ذكاء الجمهور.
بالنسبة لي، الجرأة هي أن يخرج الممثل من منطقة الراحة الخاصة به، وأن
يتقمص شخصيات لا تشبهه، ويغوص في تعقيداتها النفسية والاجتماعية دون
أحكام مسبقة. كما أنها ترتبط بكيفية الأداء، أي تقديم الشخصية بأسلوب متوازن
يجمع بين الصدق الفني والاحترام، وهو ما يسمح للجمهور بالتفاعل والتعاطف،
بدل الرفض أو الصدمة. في النهاية، الجرأة في التمثيل هي مسؤولية بقدر ما هي حرية، لأنها تتطلب وعيا بكيفية إيصال الرسالة دون ابتذال، وبما يساهم في إغناء النقاش المجتمعي والفني.
في وقت أصبح فيه “البوز“ مقياسا للنجاح لدى البعض، تظلين بعيدة عن
الضجيج وقريبة من القلوب بالعمل فقط، كيف تديرين علاقتك بالعالم الرقمي؟
بطبيعتي أنا إنسانة هادئة، وهذا الجانب طاغٍ على صورتي العامة. يمكن القول إنني كتومة إلى حدّ ما، ليس بشكل كامل، لكنني أؤمن بأهمية الخصوصية، وأن لكل إنسان مجاله الخاص الذي ينبغي احترامه. لذلك أحرص دائما على الحفاظ على هذه المساحة في حياتي.
لا يعجبني أن أخلق “البوز“ بشكل فارغ، بل على العكس، أفضل أن يكون هذا “البوز“ من عمل إيجابي، يحمل رسالة جميلة ونوعا من الرصانة، وذلك من خلال الأعمال والأدوار التي أقدمها. أما أن أتعمد خلق الجدل فقط لكي يتحدث عني الناس أو لزيادة عدد المتابعين، فهذا أمر لا يشرفني. ما أريده هو الحفاظ على مسار مهني محترم، وأن أكون قريبة من الناس بشكل صادق، بحيث يرونني كواحدة منهم، كأخت أو قريبة، وهذا النوع من المصداقية يفرحني كثيرا وأسعى للحفاظ عليه.
بداياتك الفنية كانت على خشبة المسرح وأسّست لمسارك باقتدار،هل ابتعدت هند عن أبو الفنون بسبب ضغط التصوير التلفزيوني، أم هو غياب مؤقت؟
بصراحة، اشتقت إلى المسرح كثيرا، إنه المجال الذي اشتغلت فيه لسنوات، من خلال أعمال مثل “بنات للا منانة“، ثم مسرحية “حنة يدينا” التي تم عرضها لسنوات، لكنها للأسف لم تحظَ بنفس النجاح رغم قيمتها الفنية.
غيابي مرتبط بالقائمين على المسرح أو العاملين في المجال فربما يعتقدونأنني لن أعمل مع فرق مسرحية أخرى، لكن هذا غير صحيح. أنا منفتحة على جميع الاقتراحات، وأعشق المسرح لأنه الحب الأول والأخير لأي فنان في هذا المجال. وأبشّر الجمهور بأنني قريبا، إن شاء الله، سأعود بعمل مسرحي جديد، بكاستينغ مميز مع مخرج رائع وفذ، وأيضا هناك مبادرة شخصية لعمل مسرحي بالشكل الذي كنت أحلم به.
لماذا تفتح لك التلفزة أحضانها، بينما تظل أبواب الفن السابعمغلقة أو غائبة عن مسارك؟
هذا السؤال سأتركه للمخرجين والمنتجين، هناك تصور لدى بعض العاملين في المجال السينمائي بأن ممثل التلفزيون “مستهلك“، لكنني أرى أن هذا الحكم لا أساس له. على العكس، الممثل الذي يشتغل في التلفزيون يكتسب خبرة كبيرة، ويتدرّب على تقنيات الأداء أمام الكاميرا، ويطوّر قدرته على بناء الشخصيات.
من وجهة نظري، قد يكون من الأسهل أحيانا الاشتغال مع ممثل لديه تجربة، بدل الاعتماد فقط على وجوه جديدة، رغم أن ذلك لا يعني أنه الخيار الوحيد. وبالمناسبة، لدي مشاريع قريبة إن شاء الله في مجال السينما.
في ظل التطور الذي تعرفه الدراما المغربية وظهور أعمال لافتة من حيث الجودة، كيف تقرئين هذا المسار؟
الحمد لله، هناك تطور ملحوظ، وهناك أعمال تجعلك تقول “واو“ لما تحمله من جودة. أشعر بالفخر عندما أرى زملائي يشاركون في أعمال تحترم جميع مقومات النجاح الدرامي. ليس من الضروري أن أكون حاضرة في كل هذه الأعمال حتى أفتخر بها، بل يكفيني أن أرى الدراما المغربية تصل إلى هذا المستوى. ومن هذا المنبر، أحيّي كل من يشتغل بجد، وأقول لهم: تبارك الله عليكم، وأتمنى لهم المزيد من النجاح والتطور.
ماذا عن حدود مشاركتك لحياتك الخاصة مع الجمهور؟
أنا لست من النوع الذي يشارك تفاصيل حياته الخاصة بشكل واسع، خاصة ما يتعلق بالعائلة. إذا شاركت أي صورة، يكون ذلك نادرا وفي إطار محترم ومحدود. لا أحب إظهار هذه الجوانب بشكل مبالغ فيه، وهذا نابع من طبيعتي، وليس أمرا مفتعلا.