المخرج شوقي العوفير : مسلسل «بنات لالةمنانة» حالة استثنائية

تعلم من عرابه وأستاذه المخرج الهولندي الشهير «رول تفيانستا» أن الإخراج مثل الحياة، وأن كلمة السر في نجاح المخرج هو الصدق والتواضع لتحقيق التوازن بين المضمون والشكل. المخرج شوقي العوفير، يكشف ل «نساء من المغرب»، عن رؤيته لمستقبل صناعة السينما والدراما بالمغرب، وعن كواليس إخراجه الجزء الثالث من مسلسل «بنات لالة منانة».

تقدم للجمهور المغربي هذا العام الجزء الثالث من مسلسل «بنات لالة منانة» ألم تتخوف من إعادة إنتاج التجربة بعد 12 عاما؟

أنا دائما أتخوف من الفشل، أو ألا يكون المسلسل في مستوى تطلعات الجمهور، وهذا القلق وجودي وملازم لي في أي عمل، وبالنسبة لمسلسل «بنات لالة منانة»، فهو نتيجة تراكم وخبرة مشتركة بيني وبين كتاب السيناريو وشركة الإنتاج، ونتمتع بقدر كبير من التفاهم، بالإضافة إلى أني بصراحة شديدة إنسان لا أميل إلى الظهور أو الشهرة، وبالتالي لا أتواجد على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا يخفف عبء ضغط القيل والقال بالنسبة لي، وبالتالي تركيزي الأول والأخير على العمل.

 مسلسل «بنات لالة منانة» هو حالة خاصة وشرف لي أن أشتغل عليه، وللعلم، لدي تواصل مع المخرج «ياسين فنان» مخرج الجزئين الأول والثاني، وهذا التواصل شكل لي ارتياحا على المستوى الشخصي، وكل ممثلي الجزئين الأول والثاني من المسلسل يظهرون في الجزء الثالث، باستثناء «مريم الزعيمي»، ولكن ما يهمني شخصياً في مسلسل «بنات لالة منانة»، هو أنني قريب جدا  من القصة، وأرى في «منانة» جدتي، وبالتالي أحكي عن أشياء أعرفها جيداً وهذا هو الأساس.

كيف ترى تعليقات المشاهدين حول تكرار نمط الموضوعات المعالجة في المسلسلات الدراما المغربية ؟

لا أشاهد كل المسلسلات المغربية حتى أعطيك رأيا دقيقا، ولكن عموما هناك حقب فنية تتناول موضوعات معينة، سواء بسبب كونها على قمة النقاش المجتمعي أو بسبب أنها تعجب الجمهور فتتحول لموضة، فإذا تحدثنا عن السينما المصرية، هناك حقبة شهيرة كان عنوانها هو «البحث عن الذات»، نتج عنها مئات الأفلام تدور حول نفس الفكرة بصيغ وطرق مختلفة، وكذلك بالنسبة للسينما المغربية، كان هناك رواج لموضوعات متعلقة بالمرأة وقضاياها بعد صدور مدونة الأسرة المرأة عام 2004، وبالتالي هي مسألة عادية، ففي النهاية الفن انعكاس للمجتمع،  ويجب أن يكون ما يهتم به الناس على قمة الموضوعات المطروحة بالسينما أو التلفزيون.

وهل معنى ذلك أنه لا يوجد خطوط حمراء أو لا يتم ترجيح كفة موضوعات معينة على مستوى طلبات العروض بالنسبة للتلفزيون؟

أي مجتمع لديه خطوط حمراء، وهي ليست سبة أو مشكلة، وهي مسألة لا تحجم حرية المبدع، فمثلا في فرنسا لا يمكن لفنان أن يعيب في فترة الحرب العالمية الثانية، فهي مسألة متفق عليها مجتمعيا، وأنا بالنسبة لي أبدأ العمل بالإجابة على أول سؤال «من هو جمهوري؟، مع من أتحدث». وأحاول أن أعمل داخل الإطار الذي يحدده المجتمع وليس خارجه، أما بالنسبة لطلبات العروض فهي طريقة معروفة على مستوى العالم، ومن حق كل قناة أن يكون لها خط تحريري مناسب.

كيف بدأت  علاقتك بالإخراج ؟

أنا من مواليد هولندا، وفي عمر السابعة عدت إلى المغرب، حيث واجهت صعوبة في التحدث باللغة العربية مما عرضني للتنمر في المدرسة بسبب تلعثمي اللغوي، لقد دفعني ذلك لما يشبه تحدي تعلم اللغة العربية، فبدأت التعلم من خلال الأفلام الناطقة باللغة العربية الفصحى، مثل فيلمي الرسالة وعمر المختار للمخرج الكبير «مصطفى العقاد».لقد أثرت هذه الأفلام في مسار حياتي، وعندما لاحظ والدي هذا الشغف الكبير بالسينما، أحضر لي فيديو كاسيت لكواليس تصوير فيلم «الرسالة»، ومن ثم بدأ انبهاري بالمخرج مصطفى العقاد، كمخرج سينمائي كبير، وقررت وأنا في عمر سبع سنوات أن أصبح مخرجا،  خاصة وأن والدي هو كذلك مخرج مسرحي وفنان تشكيلي، ولديه شغف كبير بصناعة الأفلام.إضافة إلى ذلك، تزامنت طفولتي مع أوج نشاط «دور الشباب» بالمدن المغربية التي كنت أنشط في مختلف عروضها، وأذكر أنني شاركت في مسرحية حضرها بالصدفة المخرج» الطيب الصديقي»، الذي، قال لي بعد انتهاء العرض، أن «مستقبلك سيكون في مجال الفن»، لقد صنع كل ذلك اختيارا واضحا بأن يكون مستقبلي في الإخراج السينمائي. 

ولماذا اخترت العمل في الإخراج السينمائي وليس التمثيل؟

الحكمة العربية تقول « للناس فيما يعشقون مذاهب»، أنا نفسي لم أفهم لماذا، ربما لأن المخرج هو رب العمل، ولأنني كنت أتمتع بالعديد من المواهب الفنية، مثل الموسيقى، الديكور، وأنا أعتقد أن المخرج هو الذي يشرف على استخدام جل هذه الفنون، داخل العمل التلفزي أو السينمائي، وأنا أتذكر أنني عندما قررت الالتحاق بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط عام 1996، كان قرارا جريئا، ففي ذلك الوقت لم يكن المغرب  يعرف هذه الطفرة في الإنتاج الثقافي المتوافر اليوم، ولم يكن هناك مخرجون متفرغون للعمل الفني كما هو الآن.

 هل هذه الموهبة الفطرية مازالت تحرك شغفك تجاه الأعمال الفنية؟

بصراحة،  لا أؤمن بما يسمى «الموهبة»، أنا أؤمن بأن الشخص قد يكون لديه استعداد لقضاء وقت أطول في القيام بعمل معين، وهنا أتذكر أن والدي طلب مني شيئا واحدا فقط حين قررت دراسة الإخراج، وهو الالتزام والعمل الجدي. وبالفعل قطعت على نفسي وعدا بالعمل الجاد والملتزم، تجاه أي مشروع أشتغل عليه، و أرفض فكرة الهوائية أو العمل وفقاً للمزاج الشخصي، فأنا مخرج محترف، ولا أخضع لمقولة «الفنون جنون»، واعتقد  أن بعض الفنانين اخترعوا تلك المقولة ليبرروا لأنفسهم عدم الالتزام ولكن أنا أعتقد أن الفن هو الالتزام، إضافة إلى أن نشأتي في «هولندا»، علمتني احترام المواعيد والانضباط

وكيف ترى واقع حرفية الاشتغال على الأعمال المغربية؟

اشتغلت في فرنسا، هولندا، مصر، ثم المغرب، وأعتقد أن لنا كمغاربة طريقة اشتغال مناسبة لتاريخنا، فالإنتاج التلفزيوني والسينمائي في المغرب مازال حديثا، والفن يحتاج للتراكم ، المجهود، والعمل الجاد حتى تتضح ملامح التجربة، وحتى نستطيع أن نقدم أعمالا فنية  تشبه على مستوى الكم والكيف ما يتم إنتاجه  في بلدان  مثل فرنسا، أو مصر أو جنوب إفريقيا، فهذه دول تمتلك تجربة قديمة، وأنا أعتقد أن التطور المغربي يسير داخل التاريخ، وأن مسألة النمو طبيعية.

ومن جهة أخرى  الناتج الداخلي الخام في المغرب هو أقل بكثير من الولايات المتحدة الأمريكية، ألمانيا وفرنسا، وبالتالي لا يمكن أن نحلم بأن يكون لدينا انتاج تلفزيوني مثل هذه الدول  فهذا ضرب من الجنون، ولا يجب ان  نكون مجحفين في حق أنفسنا، وأن نفهم أن المغرب كان يتمتع بأشكال تقليدية للفنون والحكي، وللأسف هذه الأشكال تأثرت سلباً بفترات الاستعمار، وبالتالي بعد انتهاء الاستعمار كان لابد أن نعيد تشكيل الوعي الثقافي من جديد، وأصبح من حقنا أن نطور طريقة حكي خاصة تحمل روح «تمغربيت» ، وهذا هو التحدي الآني الذي يعيشه صناع الفن المغاربة.

 وكيف تعمل على تأسيس طريقة الحكي الخاصة به، خاصة وأنها مسألة شديدة التعقيد؟

هي مسألة معقدة وتحتاج إلى تفكير عميق، ولكن أنا أعتبر نفسي نتاج تجربة الأساتذة «عبدالرحمن مولين، عبد الرحمن التازي، فريدة بليزيد»، ولابد أن أحترم التراكم والاستمرارية، والطريق الذي حفره هؤلاء المخرجون، سواء اتفقت أو اختلفت معهم، وأنا دائما أبحث عن طريقة الحكي، التصوير، الإضاءة، التي تخلق لي شكلا مميزاً أو طريقة حكي مغربية 100 بالمائة، وأحاول الاستفادة من تجارب الدول الأخرى، و أن أعطي الروح المغربية لكل التقنيات التي تعلمتها في المعاهد الأوروبية.

 تعمل في مجال التدريس في معهد السينما بفرنسا، هل وجود دخل ثابت للفنان مسألة هامة؟

طبعا، هي مسألة شديدة الأهمية، لأن وجود دخل ثابت يجعل الفنان يتمتع برفاهية قول «لا»، وتجعله سيد قراره، ولا يكون مجبرا على العمل من  أجل المال، ولذلك أنا حريص على الاستمرار في التدريس بفرنسا، لعدة أسباب منها الاستقرار المادي وأيضا لكي أكون دائما على علاقة بالشباب، كي أتعرف على أفكارهم، توجهاتهم، فلا يصاب تفكيري بالرجعية أو أخرج من السياق الزمني للعصر.

هل السينما ضمن طموحاتك؟

عندما عدت إلى المغرب للعمل عام 2007، كان الهدف هو الاشتغال على فيلم مع المنتج والمخرج «نبيل عيوش»، ولكن بمجرد العودة تغير اختياري وقررت أن أقترب  بشكل أكبر من المغاربة، أتعرف عليهم  عن قرب، أفهمهم، وأروي قصصهم، وبالتالي العمل للتلفزيون هو ما مكنني من ذلك، لأن التلفزيون موجود في كل منزل مغربي.

أفكر في مشروع سينمائي، وأعمل عليه، ولكن تجربة الإخراج السينمائي تحتاج إلى تراكم معرفي وبصري، وبالتالي أنا أحتاج إلى وقت كي أكون على دراية شديدة بما أعمل، وأنا لا أفكر بطريقة السباق، وعدد الأفلام التي تحمل اسمي، لأنني لا أسابق إلا نفسي ومساري، وأرغب في أن أضع اسمي على عمل يضيف لي وأضيف إليه.

وكيف ترى موجة الأفلام التجارية الكوميدية بالسينما المغربية؟

ممتازة، وهي ظاهرة صحية، تجربة السينما المغربية مازالت تجربة فتية، تحتاج إلى مختلف التجارب كي تنضج وتكتمل، ولكن قد يكون هناك تخوف لدى بعض الناس من أن تؤثر هذه الموجة على عدد الأفلام السينمائية «الجادة»، ولكن أنا شخصياً لا تشكل لي المخاوف هاجساً، بل على العكس، هذه الأفلام يحسب لها أنها أعادت الجمهور المغربي إلى قاعات العرض السينمائي، فلا يوجد سينما تصل للعالمية بدون جمهورها، ولا يمكن أن تنتج أفلاما لجمهور أخر من دون المغاربة لأنهم يعيشون قطيعة مع قاعات العرض السينمائي، وهنا لابد  أن أقول شكرا للأفلام التجارية لأنها صالحت المغاربة مع  قاعات العرض السينمائي، فتحت باب الاشتغال للتقنيين، وقدمت للمخرجين فرصة للتجريب.

يتيح القانون أيضا إمكانية التسجيل لفائدة الشباب من أفراد الجالية المغربية بالخارج المسجلين بالسجلات القنصلية الراغبين في أداء الخدمة العسكرية.
تواجد الفنان في شبكة الأعمال الرمضانية يعزز قربه من الجمهور.
تعلم من عرابه وأستاذه المخرج الهولندي الشهير «رول تفيانستا» أن الإخراج مثل الحياة، وأن كلمة السر في نجاح المخرج هو الصدق والتواضع لتحقيق التوازن بين المضمون والشكل. المخرج شوقي العوفير، يكشف ل «نساء من المغرب»، عن رؤيته لمستقبل صناعة السينما والدراما بالمغرب، وعن كواليس إخراجه الجزء الثالث من مسلسل «بنات لالة منانة».