كبرت، جميلة السيوري وهي تسمع وتستمتع بسرد حكايات عن المقاومة ضد المستعمر وعن والدها الذي حمل معه قيم المقاومين إلى حد رفضه منصب مهم بعد الاستقلال، مفضلا الاستثمار في التعليم من داخل أسوار بيت جد ملهمتنا، الذي حوله إلى مدرسة لتمدرس أبناء هوارة.
لم تكن والدتها بعيدة عن طابور المؤثرين فيها، ظروفها في الحياة كانت قاسية فقد تزوجت في سن 11 عاما، أنجبت في سن 14 عاما، وترملت وهي في 35 من عمرها لتتحمل بعد الترمل ثمانية أبناء. حرمان مبكر من الطفولة والشباب والأنوثة والسند، جعلت ملهمة العدد تتقمص كل معاناة الأم لتنصت لشكواها التي لم تشتك يوما منها. رفض كل ما يعيد إنتاج وضع مهين للنساء كان بداية وعيها . هكذا تشكلت مواقف السيوري، والحصيلة مشاهد من حياوات قريبة جدا حولتها إلى قضايا حين اختارت مسار المحاماة، المسار الذي تنبأت به أمها : كانت أمي تشبهني بلطيفة المعروفي، وهي أول محامية بفاس، كانت عندي قوة الجدال والدفاع حتى وأنا أدافع عن إخوتي. هذا أعطاني شحنات من التميز». تقول ملهمتنا.
راكمت العمل النضالي والحقوقي والنسائي والجمعوي عبر قنوات مهمة: الجامعة المغربية في عز نضالها الطلابي، لجان 8 مارس التي كانت فيها زعامات حقوقية ومسار التصق ب جريدة 8 مارس :»كانت من الجرائد التي أثرت في فكري المساواتي عبر أركانها ك»دعوني أتكلم»»نساء دخلن التاريخ» ..تجربة فتحت عيوننا، وكانت حاسمة في وضع خيارات الدفاع عن الحقوق الإنسانية للنساء، المساواة، الكرامة، عدم التمييز..» التحقت جميلة السيوري بالمنظمة المغربية لحقوق الإنسان سنة 1995 ، واختارت الاصطفاف مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي خلال محطة خلافية، وخلال مؤتمر الحزب التحقت بالمكتب السياسي، «تجربة سياسية جعلتني في قلب القيادة، رئيسة القطاع النسائي قطاع المحامون ..».
لا تلتفت إلى سلبيات تجاربها حتى التي خذلتها فيها بعض الممارسات: كانت تجربة الحزب مهمة رغم انسحابي من المكتب السياسي، وقد علمتني التحليل والقدرة على النقد الذاتي، خلالها كنت أمشي ببطء ولا أشرئب لمنصب، ابتعدت عن السياسة بقناعة التركيز على ما هو حقوقي، هذا لم يشل عزائمي في ذلك الوقت، فقد كنت من المؤسسين للجمعية المغربية لاستقلال القضاء «. يذكر اسمها ملتصقا بجمعية عدالة من أجل محاكمة عادلة، التجربة التي جمعت في التأسيس أسماء لها وزن في الشأن الحقوقي والقانوني: «عندما ترأستها أعطيتها شحنة كبيرة من تجاربي، وقد تزامنت بعض من محطاتها مع دستور 2011 ، قدمنا مذكرتنا مستقاة من المذكرات العشر للجمعيات التي كانت عدالة هي المبادرة بها، كنا مؤثرين في التعديلات الدستورية، وعندما تقرأ الدستور تجد أنها نفس مقترحات عدالة، هذا أعطانا نفسا جديدا على أننا قوة اقتراحية، وأعطانا دفعة جديدة تزامنت مع الحوار الوطني لإصلاح العدالة، كنا فيه حاضرين بحيث قمنا بحوار موازي مهم وفعال.
كان لها حضوض في شبكات دولية مثل اللجنة الدولية للحقوقين، الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان وشبكة الاورومتوسطية لحقوق الإنسان، «سرنا في اتجاه خلق حوار موازي حول مواضيع كثيرة تهم استقلال القضاء وإصلاح العدالة بما فيها استقلال النيابة العامة..»
سنة 2011 كانت فارقة في مسارها لتزامنها مع تشكيل المجلس الوطني لحقوق الإنسان: « محطة نضجت فيها حقوقيا، عطاءتي لم تعد محصورة في «عدالة»، بل نقلت مهاراتي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان..وبحكم قربي من المرحومة آسية الوديع، أخذنا على عاتقنا إجراء تقرير حول حقوق السجناء ووضعية السجون، لم نقف على محاكمة إدارة السجون، بل اعتبرنا الوضعية مسؤولية مشتركة، وأنا أفتخر أني تعلمت تقنيات الرصد على يد آسية الوديع، وأني صرت راصدة حقوقية مميزة، وأن نسبة 85 في المائة من التقرير كنت وراءه». تقول ملهمتنا، التي تقف مع شريكات وشركاء حقوقيين في فتح نقاشات مهمة حول المساواة الفعلية، المناصفة، الإجهاض، كما تعترف بكون حادث عائلي جعلها تكتشف : «أننا عائلة حقوقية نحترم حقوق الإنسان ونؤمن بها فعلا»…