في كل يوم تقضي النساء ساعات طويلة في العمل المنزلي، (ما يناهز خمس ساعات مقابل 40 دقيقة للرجل) مجال نشاط غير مؤدى عنه، قدرت المندوبية السامية للتخطيط قيمته ب 19,4% من الناتج الداخلي الخام، لكن هذا العمل لا يحظى بأي اعتراف أو تثمين..
لا يتعلق الأمر بظروف العيش أو مسؤوليات مضاعفة فقط، بل بعمق الإشكال الذي يؤسس للأدوار الاجتماعية التقليدية
وللتراتبية والتفاضل بين الجنسين والذي يفرز ميزان قوى مختل في توزيع المسؤوليات، بنفس الوقت يؤكد بأن المساواة بين الجنسين لا تزال بعيدة.
تفصل الأدوار الاجتماعية التي احتفظت للنساء بمهام الرعاية والعمل المنزلي، على مقاسات متنافرة لا تسمح لهن بالتطور والرفاهية الصحية والاجتماعية، وقد ظلت خدمات الرعاية، التي تقوم بها النساء أساسا، تكتسي طابعا لامرئيا، في ظروف يغيب فيها الاعتراف والتثمين.
هل يتوقف الأمر هنا ؟ بالتأكيد هناك توابع أخرى لها كلفة اجتماعية واقتصادية، على رأسها تعميق الفوارق بين الجنسين، وهشاشة المسارات المهنية، وتراجع مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
في كل مرافعات وتقارير الحركة النسائية حضر التنبيه الى انخفاض معدل النشاط الاقتصادي للنساء(19%) واعتباره أكثر من مجرد معطى إحصائي ، بل نتيجة لمنظومة وواقع مجتمعي يكرس أدوارا تقليدية غير متوازنة تغيب فيها العدالة الاقتصادية كركيزة أساسية للحماية الاجتماعية، وتستدعي بالضرورة طرح سؤال التعديل الجذري لمدونة الأسرة، باعتبارها المؤطر للعلاقات الأسرية
والاجتماعية، وما يستتبعها من حقوق أو تمييز.
لقد حاول الفصل 49 الذي ينص على إمكانية اتفاق الزوجين على تدبير الأموال المكتسبة خلال قيام الزوجية و كيفية استثمارها و توزيعها تجاوز فراغ العدالة الاقتصادية، لكن تطبيقه كشف عن قصور في النص و عدم إلزاميته فوّت على العديد من النساء إمكانية الاستفادة من رصيد ساهمن في إنجازه، خاصة أن غالبية الزوجات يساهمن بالعمل المنزلي الذي لا يحتسب و لا تقدر قيمته.
في عمل فني تلفزي، قدمت المخرجة نعيمة زيطان بذكاء، قصة ساخرة لفهم حدود اكراهات النساء وضغوط العمل المنزلي من خلال زوجين يتبادلان الأدوار.
بستقظ الزوج قبل باقي الافراد بوقت طويل ليجهز الافطار والأطفال، يطلب منه تجهيز الغذاء والعشاء واصطحاب الأبناء وتدبير زيارة الضيوف، وطوارئ العمل والاجتماعات المتأخرة وحتى محاولات التحرش في وسائل النقل وفي العمل…
مساحات الضحك كثيرة في المشاهد، التي تصور حيرة الرجل واستنزافه في محاولة الاجابة عن كل المسؤوليات، بينما تستمتع الزوجة (في الفيلم) بوقتها في تدبير حياة مهنية وعلاقات اجتماعية مريحة، لكنه ضحك «أسود» يكشف عن ضغط العمل المنزلي والتمثلات النمطية وتعدد الأدوار وسلطة العمل المنزلي وخرائط اللامساواة .
ينتهي الفيلم باستيقاظ الزوج من نومه مفزوعا ، فقد كان فقط في كابوس، ليحمد الله أن الأمر ليس إلا كابوسا، بينما تنتظر النساء أن يتغير الكابوس… عفوا الواقع.