لنسجل اليوم وللتاريخ…. اننا عشنا لحظة غير مسبوقة.
ولنسجل أيضا أننا كنا جزء من هذا التاريخ، حيث ولأول مرة، ومنذ استقلال المملكة الشريفة، يتم تعيين امرأة سياسية لقيادة الحكومة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب السياسي في تاريخ المغرب.
قبل أيام فقط، كانت أحاديث جانبية تملأ الشاشات يتقاسمها رواد شبكات التواصل الاجتماعي، فيها تساؤلات مغلفة بقدر غير قليل من النمطية، هل يمكن لامرأة أن تتبوأ منصب رئيسة حكومة، وهل لديها القدرة على أن تتفاوض وتقود؟
الحدث يفتح زمنا جديدا للقيادة….
وقبل كل ذلك كانت القيادة الملكية العليا متقدمة عن نقاشات المجتمع، وقدمت مرة أخرى الدليل على أنها حداثية وتقدمية وداعمة للمرأة وضد التمييز.
لقد كسرت الإرادة الملكية سقف التوقعات، والأهم في كل ذلك أن ندرك أن الاختيار الملكي لتعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري يرسخ دعما لمكانة المرأة المغربية، وهو دعم تراكم بقوة في عهد جلالة الملك محمد السادس وجعل المغرب، اليوم، مثالا يحتذى به.
في مجلة «نساء من المغرب»، ومن خلال مرافقتنا الدائمة لمسار الترافع عن حقوق النساء والمساواة، ننظر إلى هذا الحدث باعتباره إعمالاً للمبدأ الدستوري المتمثل في المساواة في الحقوق السياسية الذي طالما ناضلت الحركة النسائية من أجل تفعيله، كما ننظر إليه كدرس بيداغوجي لكل النخب والأحزاب ولفئات كثيرة في المجتمع، تكشف قراراتها عن مواقف واختيارات غارقة في الذكورية، إذ أن وجود امرأة في موقع ظل محتكرا حتى بدا بفعل التكرار، جزء من طبيعة الأشياء، من شأنه خلخلة الفعل والرمزيات.
وفي هذه اللحظة «الدالة» والأولى من نوعها في التاريخ السياسي المغربي ، ورغم كل الملاحظات، علينا أن نسجل أن انتخابات 23 شتنبر 2026 عرفت ارتفاعا في مؤشر التمثيلية النسائية داخل البرلمان لتقارب نسبة 27 بالمائة من المقاعد، (وهي النسبة الأعلى في تاريخ المؤسسة التشريعية منذ تأسيسها) ، مع ارتفاع ملحوظ في عدد النساء اللواتي تمكن من الفوز بمقاعد في الدوائر الانتخابية المحلية، باعتباره مؤشرا ايجابيا في مسار الحقوق السياسية وتوسيع حضور النساء في المؤسسات المنتخبة ومواقع المسؤولية وصنع القرار .
إن هذه المحطة السياسية التي نعيش تفاصيلها الآن، لا تنفصل عن مسار تراكمي راكمته التجربة المغربية مدعومة أيضا بحركة نسائية وحقوقية على مدى عقود، وهي ذات الحركة التي تعتبر اليوم وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة مصدر اعتزاز ولحظة مكثفة في مسار الحقوق الإنسانية للنساء، لكنها تتطلع الى نفس جديد وبداية مرحلة أخرى تجعل المساواة بين الرجال والنساء في صلب الخيارات السياسية الكبرى للبلاد وفي مختلف التشريعات والسياسات العمومية…. طموح معلن لمرحلة قادمة عنوانها : ربط القيمة الديمقراطية لهذا الحدث بمدى القدرة على الانتقال من رمزية المرأة في أعلى هرم السلطة، إلى ترسيخ المساواة الفعلية كخيار مؤسساتي سياسي يكشف عن نفسه من داخل البرنامج الحكومي بأجندة واضحة للمساواة.