عبد الصمد الديالمي : الأسرة المغربية هندسة مجتمع جديد

بين تراجع هيمنة الأسرة الممتدة لصالح النووية، والكلفة الثقيلة للعامل الاقتصادي والاجتماعي، وتأثير المستجدات القانونية المنظمة لعلاقاتها، وسطوة العوالم الرقمية على سلوك أفرادها.. يقف الدكتور وعالم الاجتماع عبد الصمد الديالمي عند ما أصاب الأسرة المغربية من تحولات. بتأكيد : أصبح المغرب دون عتبة تعويض الأجيال.

يفرض كتابك الأخير «سوسيولوجيا مدونة الأسرة» (2026) سؤال البداية عن أبرز التحولات التي عاشتها وتعيشها الأسرة المغربية اليوم، وما هي عوامل تلك التحولات؟

عرفت الأسرة المغربية تحولات جذرية وسريعة خلال العقود الأخيرة، حيث انتقلت من البنية الممتدة إلى البنية النووية الحديثة. فعلا، تراجعت هيمنة الأسرة الممتدة على الصعيد الإحصائي إذ أن عدد العائلات الممتدة التي تضم الأجداد والأقارب تراجع بشكل كبير لصالح الأسرة النووية المكونة فقط من الزوجين والأبناء. من ثم، تراجع التضامن العائلي التقليدي حيث أدى الانكماش الاقتصادي والنزوع نحو الفردانية إلى إضعاف شبكات الأمان الاجتماعي التي كانت توفرها العائلة الممتدة. بالإضافة إلى ذلك، انتشرت ظاهرتان متناقضتان: ظاهرة «العش الفارغ» التي تعني ارتفاع نسبة الأسر المكونة من زوجين دون أطفال، نتيجة هجرة الأبناء للدراسة أو العمل واستقلالهم المبكر. وظاهرة تساكن الكبار في نفس المنزل. 

بالنسبة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، هناك خروج المرأة للعمل، وهو ما أضاف النساء إلى دور الفاعلة الأساسية في مالية الأسرة، حيث أصبحت مساهمة المرأة المالية محورية لمواجهة كلفة السكن والعيش (مع الاحتفاظ بدور الرعاية داخل البيت). أدى هذا الدور الجديد للمرأة إلى إعادة توزيع السلطة الأسرية، بمعنى أن النزعة البطريركية المطلقة تراجعت نسبياً لصالح اتخاذ القرارات المشتركة بين الزوجين في تدبير شؤون البيت. 

خلاصة القول، لا يمكن الجزم بوجود «قطيعة تامة» ومطلقة مع النموذج العائلي التقليدي، بل إن التعبير الأدق سوسيولوجياً هو أن الأسرة المغربية تعيش حالة «انتقال مركب» يمزج بين الحداثة والتقليد في آن واحد.

انخفاض في معدل الخصوبة إلى 1.97 طفل لكل امرأة، ما الذي يعكسه هذا المعطى بنظرك؟ ثم ما تأثيره؟ وهل هذا مؤشر على الانتقال إلى مجتمع أكثر فردانية؟

إن انخفاض معدل الخصوبة في المغرب يعني أن المغرب دخل رسمياً مرحلة تحول ديمغرافي خطير. فالرقم المذكور يعني أن المغرب أصبح دون عتبة تعويض الأجيال. بعبارة أخرى، تتقلص القاعدة الواسعة المتمثلة في المواليد والأطفال، مما يؤدي إلى تغيير جذري في بنية الهرم السكاني حيث ترتفع فئة كبار السن. وهو ما يهدد بضعف القدرة الإنتاجية الوطنية وتباطؤ نمو الناتج الداخلي الإجمالي وبارتفاع معدل «الاعالة»، أي بإضعاف أنظمة الحماية الاجتماعية والتقاعد.

يرجع انخفاض معدل الخصوبة إلى نجاح سياسة التنظيم العائلي، إلى تأخر سن الزواج وإلى ارتفاع العزوبة، إلى تعليم وتمكينها وإلى الواقعية الاقتصادية ونمط العيش الحديث. إن انخفاض معدل الخصوبة وتغير البنية الديمغرافية للمجتمع المغربي شكلا أساسا اجتماعيا قويا للمطالبة بإصلاح مدونة الأسرة. فالمجتمع تغير ولم يعد من الممكن تنظيمه بفضل قوالب تشريعية بطريركية إسلامية جامدة. من ثم المطالبة مثلا بإلغاء «التعصيب» في الإرث وبالولاية القانونية المشتركة بين الزوجين وبمنع زواج القاصرات كليا…

ما هو تأثير مدونة الأسرة في إعادة ترتيب العلاقات داخل الأسرة؟ ثم ما أثر ذلك على الجانب القيمي في الأسرة؟

تلعب مدونة الأسرة المغربية (منذ إصلاحها الجوهري عام 2004 وصولاً إلى الجدال المعاصر حول تعميق إصلاحها) دوراً مفصلياً في إعادة صياغة الأدوار والمكانات داخل الأسرة المغربية وزعزعة المنظومة القيمية البطريركية. فالمدونة ليست مجرد نص قانوني جامد، بل هي أداة تشريعية أعادت رسم حدود السلطة الأسرية، وحددت الواجبات والحقوق بين أفراد الأسرة بشكل يسير في اتجاه المساواة الجندرية والجيلية. 

في هذا الشأن، ألغت المدونة المفهوم البطريركي القائل ب «طاعة الزوجة لزوجها» وعوضته بمبدأ «الرعاية المشتركة للأسرة» تحت إشراف الزوجين معا. هذا التغيير نقل العلاقة من خانة «التبعية» إلى خانة «الشركة التضامنية». وفتحت المدونة الباب أمام تدبير الأموال المكتسبة أثناء فترة الزواج مما جعل العلاقات المادية داخل الأسرة أكثر وضوحاً وحفظاً للجهد غير المدفوع للمرأة داخل الأسرة. ثم جعلت التعدد وزواج القاصرات خاضعين للرقابة القضائية.

بالنظر إلى كل هذه المكتسبات النَّسَوية (féministes)، أحدثت المدونة مخاضاً فكرياً واجتماعياً حاداً انقسم حوله المجتمع المغربي بين اتجاهين متناقضين، الحداثي والمحافظ. طبعا، يدافع الاتجاه الحداثي عن قيم المساواة وعن حق المرأة في تقرير مصيرها، مما قلل من قيم الخضوع والتحمل القسري للعنف. وهو ما يرى فيه التيار المحافظ عاملا في بروز ظاهرتين «مرضيتين»: ارتفاع نسب الطلاق وعزوف الشباب عن الزواج. والواقع إن هاتان الظاهرتان ليستا مرضيتين لأنهما رد فعل صحي ضد نموذج أسري مبني على استغلال المرأة وعلى تعنيفها المتعدد الأشكال والسياقات. إنهما تعبير عن صحوة نَسَوية وحقوقية.

إلى أية درجة تصطدم التحولات التشريعية بالتراكم الثقافي الذي يميز الأسرة المغربية منذ قرون؟ ما هي المقاومات التي عرفها ويعرفها اليوم مسلسل إصلاح مدونة الأسرة؟ 

تتمثل المقاومات ضد إصلاح وتعديل مدونة الأسرة في مجموعة من العوائق الدينية والثقافية والاجتماعية. فالعديد من الهيئات الدينية (على رأسها «المجلس العلمي الأعلى») ترى أن هناك خطوطاً حمراء مستمدة من نصوص قطعية الدلالة في الشريعة الإسلامية لا يمكن تجاوزها أو تعديلها مثل قاعدة التعصيب في الإرث ومنع التوارث بين المسلم وغير المسلم وتحريم إلحاق الولد غير الشرعي بوالده البيولوجي. فالمجلس يرفض الاجتهاد في هذه القضايا الشائكة انطلاقا من قواعد مُحَيَّنَة للاجتهاد (اقترحناها شخصيا منذ سنة 2000) كما يرفض تعطيل أو تقييد مفعول النصوص المسماة قطعية، وهو مفعول تمييزي غير مساواتي وغير عادل. أيضا، فالرجل المغربي لم يستوعب بعد، ولم يقبله بعد، مفهوم المساواة القانونية بين الرجل والمرأة، على أسس أن اختلافهما البيولوجي يشرعن اللامساواة. 

تأخر سن الزواج والعزوف عنه جزء من إشكالات الأسرة اليوم. بعض المبادارت ربطت الظاهرة بالجانب المادي. هل هذا العامل يشكل لوحده عائقا للثقة في مؤسسة الأسرة؟

لا يمكن للعامل المادي وحده أن يفسر فقدان الثقة في الزواج والأسرة على الرغم من كونه أحد أبرز المحركات الأساسية لهذا العزوف. إن الظاهرة في عمقها هي حصيلة تحولات بنيوية مركبة يتقاطع فيها المال بالثقافة، والقانون بالحقوق، والنفسي بالاجتماعي. اليوم أصبح الشباب يضع تحقيق الذات والنجاح المهني والسفر والاستقلالية الشخصية في صدارة أولوياته، قبل التفكير في تقديم «تضحيات» من أجل شريك أو أطفال. اليوم، لم يبق الزواج وتكوين أسرة هو المعيار الوحيد أو الأول للنجاح الاجتماعي بالنسبة للمرأة أو الرجل معا. ثم إن خروج المرأة للتعليم العالي وسوق الشغل مكنها من التحرر من أنموذج «الزواج من أجل الحماية والمأوى». أصبحت المرأة تبحث عن شريك يحقق لها تكافؤاً فكرياً وعاطفياً وجنسيا. لكن، لا يزال الرجل بشكل عام متمسكا بأفضليته، كل هذا يولد نفوراً من مؤسسة الأسرة برمتها تجنبا للخوف من الطلاق ومن تبعاته القانونية الثقيلة، وقد تولد وعي جمعي مشحون بالشك والريبة تجاه «النوايا الحقيقية» للشريك المستقبلي. في مقابل هذا الشك، وفرت وسائل التواصل الاجتماعي والانفتاح الرقمي مساحات بديلة لإشباع الحاجات العاطفية والجنسية دون الحاجة لأَسْر نفسه في قفص الأسرة. كل هذه المعطيات تؤشر على بداية بروز الأنا الفرداني الذي يفكر في نفسه قبل أن يفكر في بناء أسرة أو في عائلته الممتدة التي تنتظر منه المساعدة (مثلا).

أحدث العالم الرقمي فجوة في العلاقات الأسر ية هل تسبب في استقالتها فعلا؟ 

طبعا لها دور كبير…لكن الثورة الرقمية لا تدمر الأسرة ولا تبنِيها بذاتها، بل تشتغل كمضخم للوضع الأسري القائم؛ فالأسر التي تمتلك مناعة تواصلية وقيمية قوية تستخدم الرقمنة لتطوير حياتها، بينما الأسر الهشة تجد في الشاشات مهرباً يسرع من وثيرة تصدعها وانفصالها.  لكل هذه الاعتبارات، يشكل التوازن الرقمي داخل الأسرة استراتيجية وقائية لحماية الأطفال من العزلة، واضطرابات الانتباه، والمحتويات غير الآمنة. لتحقيق هذا التوازن دون الدخول في صدامات يومية مع الأبناء، يجب مثلا: 1) منع دخول الهواتف والأجهزة اللوحية إلى غرف النوم ومائدة الطعام، 2) إغلاق جميع أجهزة البيت، بما في ذلك هواتف الآباء، للتركيز على الأنشطة البينية ساعة أو ساعتين يومياً في المساء، 3) تفعيل أدوات «الرقابة الأبوية» والبيئة الآمنة بفضل تطبيقات التحكم الأبوي، 4) توفير بدائل حركية واجتماعية من خلال ملأ الفراغ ببدائل حقيقية مثل الألعاب اللوحية الجماعية والقراءة الورقية.

بين تراجع هيمنة الأسرة الممتدة لصالح النووية، والكلفة الثقيلة للعامل الاقتصادي والاجتماعي، وتأثير المستجدات القانونية المنظمة لعلاقاتها، وسطوة العوالم الرقمية
استقبل وزير التربية الوطنية نبيل بنعبد الله خديجة بوماليك، بطلة المغرب في «تحدي القراءة العربي»، احتفاءً بتتويجها بجائزة خاصة وتميزها
تستعد مدينة وجدة لاحتضان فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الدولي للسينما والهجرة، خلال الفترة الممتدة من 13 إلى 17 نونبر