سي سلمى.. حين تنسب القيم للرجال!

”يوم يُقال لرجل إنه قوي… كأنه امرأة، سيعرف العالم أن الدلالة اللغوية أنصفت الحقيقة“

كان يناديني «سّي سلمى»، وكأن في اللقب وساما…

ابتسمتُ يوما وسألته : لماذا «سّي»؟ فأجاب  :

لأنك مستقيمة، صادقة، لا تتهاونين في كلمتك… تشبهين الرجال ضحكت في داخلي!!  منذ متى كانت النزاهة حكرا على جنس؟ ولماذا حين تقف امرأة ثابتة على مبادئها، يُسارع البعض إلى خلع أنوثتها عنها رمزيا؟

في هذا العالم الذي اعتاد أن يمنح الفضائل للرجال، تكبر ملايين النساء وهن يحملن الشجاعة والوفاء والمسؤولية دون ضجيج، دون أن يدعين بطولة ودون أن يرغبن في أن يكن سوى نساء.

هذا النوع من الخطاب، وإن بدا بسيطا، يوحي إلى ترسّبات ثقافية طويلة جعلت من بعض الصفات حكرا ضمنيا على جنس دون آخر.

فالانضباط والجدية والوفاء بالوعود، غالبا ما تُصنّف في خانة «الرجولة»، بينما تُربط صفات أخرى مثل العاطفة واللين بالأنوثة.

 هذه الثنائية، التي ترسخت عبر الزمن، لا تعكس حقيقة الإنسان بقدر ما تُبسّطه وتختزله في أدوار جاهزة.

إن اللغة، بوصفها مرآة المجتمع، تلعب دورا محوريا في تكريس هذه التصنيفات، فحين نستخدم عبارات من قبيل «امرأة قوية كالرجل» أو «تصرف رجولي»، فإننا، دون وعي، نعيد إنتاج نفس المنظومة التي تفصل بين القيم وتوزعها بشكل غير عادل. وبذلك، لا نكتفي بوصف الواقع، بل نساهم في إعادة تشكيله وفق تصورات غير متوازنة.

في المقابل، تُظهر التجارب اليومية أن هذه القيم لا ترتبط بجنس معين، بل هي نتاج تربية ووعي وتجارب إنسانية مشتركة، ملايين النساء حول العالم يجسدن المروءة والمسؤولية والالتزام والقدرة على التحمل، دون أن يحتجن إلى توصيفات تُقحمهن في قوالب لا تعبر عنهن، هن لا يسعين إلى التشبه بالرجال، بل إلى أن يكنّ أنفسهن، بكامل إنسانيتهن.

كما أن اختزال المرأة في صورة نمطية لا يضر بها وحدها، بل ينعكس أيضا على الرجل، الذي يجد نفسه محاصرا بتوقعات صارمة حول ما يجب أن يكون عليه، فحين يُطلب منه دائما أن يكون قويا وصلبا وغير عاطفي، فإنه يُحرم من التعبير عن جزء أساسي من إنسانيته، وهكذا، تتحول القوالب الجندرية إلى قيود مشتركة، تحد من حرية الطرفين.

فالقيم، في جوهرها، إنسانية قبل أن تكون جندرية، النزاهة لا تحمل جنسا، كما أن التعاطف لا يُختزل في نوع، هي صفات تُبنى عبر الممارسة، وتُقاس بالمواقف، لا بالهوية البيولوجية.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة النظر في الطريقة التي نُعرّف بها القوة، فالقوة ليست صرامة فقط، بل هي أيضا قدرة على الصبر وعلى التماسك في وجه التحديات، وعلى اتخاذ القرار في اللحظات الصعبة. وهي صفات تتجلى في النساء والرجال على حد سواء، وإن اختلفت طرق التعبير عنها.

من جانب آخر، يبرز لدي شعور متزايد بالفخر كامرأة مغربية، نابع من المكانة التي كفلها لي الإسلام، الذي منح المرأة حقوقها كاملة، وأقرّ لها مكانة قائمة على الكرامة والعدالة، بما يعزز حضورها داخل المجتمع كعنصر فاعل ومتوازن.

وفي موازاة ذلك، شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة دينامية تشريعية متقدمة في مجال حقوق المرأة، حيث عملت القوانين الوطنية على تكريس مبادئ المساواة والإنصاف وتعزيز الحماية القانونية، بما ينسجم مع التحولات المجتمعية ومتطلبات التنمية.

هذا التلاقي بين القيم الدينية السمحة والإصلاحات القانونية الحديثة، أسهم في ترسيخ موقع المرأة المغربية، ومنحها فضاء أوسع للمشاركة والإسهام في مختلف المجالات، وهو ما يعكس إرادة واضحة في بناء نموذج مجتمعي قائم على التوازن والعدالة.

أنا لستُ «سّي».

أنا امرأة، وقيمي ليست استعارة…

ويوم يُقال لرجل إنه قوي… كأنه امرأة، حينها سيعرف العالم أن الدلالة اللغوية أنصفت الحقيقة.

 

تنظم مؤسسة المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، يومي 15 و16 يوليوز المقبلين بالدار البيضاء، دورة جديدة من ورشتها للتكوين وتطوير المهارات
أصدر الفنان المغربي أمينوكس الجزء الثاني من ألبومه "AURA"، متضمنا أربع أغانٍ جديدة وتعاونات عربية وإفريقية، في خطوة تواصل نجاح
كشف مركز الدراسات والأبحاث في التراث عن برنامج الدورة الثانية من المهرجان الدولي لفيلم الاركيلوجيا الذي سينطلق يوم 9 من