طفلٌ من كل ثلاثة يتعرض للتنمر بانتظام، وآلاف البلاغات تتراكم سنويا. أرقام تكشف حجم ظاهرة تجاوزت أسوار المدارس، وتحولت من أذى عابر إلى جرح نفسي عميق يطال هوية المراهق في صمت. من هو المتنمر؟ وكيف نقرأ إشارات أبنائنا قبل فوات الأوان؟ بشرى المرابطي الأستاذة الباحثة في علم النفس الاجتماعي تكشف لنا الجوانب الخفية لهذه الظاهرة.
يعود من المدرسة في صمت، يترك طعامه دون أن يلمسه، وينكفئ على هاتفه ساعات طويلة. لا شيء واضح، لا كدمات ولا دموع. لكن شيئا ما تغيّر. هذا المشهد اليومي الذي قد يبدو عاديا في كثير من البيوت، هو في الغالب أبلغ رسالة يرسلها طفل يتألم ولا يجد الكلمات.
التنمر، في جوهره، ليس مجرد شجار بين أطفال أو مزحة تجاوزت حدودها. هو، كما تصفه الأستاذة الباحثة بشرى المرابطي، “نتاج لتفاعل معقد بين عوامل نفسية واجتماعية ونمائية”، ظاهرة تتشكل ببطء وتترك أثرا عميقا.
من هو المتنمر حقا؟
الصورة النمطية تقدّم المتنمر قويا متسلطا، لكن الباحثة تدعونا إلى قراءة أعمق. فكثيرا ما يكون وراء هذا السلوك العدواني شعور دفين بالضعف والهشاشة، يلجأ إليه الفرد تعويضا عن إحساسه بالدونية أو محاولة لاستعادة السيطرة التي افتقدها. وقد نشأ في بيئة يسودها العنف فاستبطن أنماطها، أو ربما كان هو نفسه ضحية في مرحلة سابقة، فاختار التماهي مع المعتدي بدل مواجهة ألمه. كما تشير المرابطي إلى نمط لافت يعرف بـ “المتنمر الضحية”، حيث يتأرجح الفرد بين الموقعين في دوامة تعكس خبرات انفعالية متراكمة لم تعالَج، وغيابا تاما لبدائل تفاعلية سوية.
ماذا يقول أبناؤنا حين يصمتون؟
الأخطر في التنمر ليس ما يرى، بل ما يخفى. فالضحية نادرا ما تفصح عن معاناتها، خاصة حين تسودها مشاعر الخجل أو الخوف من عدم التصديق. لذلك تدعو الباحثة الآباء إلى تجاوز العلامات الصارخة كالإصابات ورفض المدرسة، والانتباه إلى تلك الإشارات الخفية التي يسهل تجاهلها: الانسحاب التدريجي من الأنشطة المحببة، وتقلبات المزاج المستمرة، واضطرابات النوم والشهية، وانخفاض الثقة بالنفس. وتؤكد أن دلالة هذه العلامات لا تكمن في ظهورها منفردة، بل في تكرارها واستمرارها.
… جروح تمتد من الفصل إلى المستقبل
حين يتعرض المراهق للتنمر، لا يخسر فقط راحة باله داخل الفصل، بل يخسر تدريجياً ثقته بنفسه وبالعالم من حوله. توضح المرابطي أن هذه التجربة ترتبط بارتفاع حاد في مستويات القلق والاكتئاب، وتراجع ملحوظ في التحصيل الدراسي، إذ يجد المراهق المنشغل بهواجس الأذى نفسه عاجزا عن التركيز. أما اجتماعيا، فيجد نفسه أمام خيارين مؤلمين: إما الانسحاب الكامل خوفا من الأذى، أو إعادة إنتاج العنف ذاته تجاه الأضعف منه، في حلقة لا تنتهي إن لم يتدخل أحد.
كيف نتعامل مع المتنمر؟
الخطوة الأولى، كما تؤكد الباحثة، هي عدم الاستجابة للمتنمر أبدا، مع قطع التواصل معه وتوثيق ما يحدث. ثم إخبار الأسرة فورا، لأن الصمت هو السلاح الأول الذي يستخدمه المتنمر ضد ضحيته. وبالموازاة مع ذلك، إشعار إدارة المؤسسة التعليمية التي تملك صلاحية التدخل ووضع حد للسلوك.