تشهد فرنسا منذ أسابيع موجة احتجاجات يقودها تلاميذ الثانويات وطلاب الجامعات، في حركة اتسعت بشكل كبير خلال الأيام الأخيرة وبلغت ذروتها في مظاهرات السادس من أكتوبر، حين خرج مئات الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بتحسين أوضاع التعليم والاستجابة لمطالب الشباب. فما الذي دفع الطلاب إلى الاحتجاج؟
نقص المدرسين وتدهور المؤسسات
تعود الشرارة الأولى للحركة إلى احتجاجات في عدد من الثانويات بسبب نقص المدرسين والموظفين، اكتظاظ الأقسام، وتدهور البنية التحتية. وانطلقت التحركات في منطقة باريس قبل أن تنتشر إلى مؤسسات تعليمية في مدن فرنسية أخرى. وتؤكد مصادر إعلامية فرنسية أن الطلاب يشتكون أيضا من نقص العاملين في الصحة المدرسية والتوجيه، ومن ظروف دراسية يرون أنها لا توفر فرصا متساوية للجميع.
ومع اتساع الحركة، انتقلت المطالب إلى الجامعات، حيث انضمت منظمات طلابية إلى التحرك وقدمت، في الخامس من أكتوبر، منصة مشتركة تتضمن 10 إجراءات طارئة لفائدة الشباب. وتشمل هذه المطالب الاستثمار العاجل في المؤسسات التعليمية والجامعية، توظيف مزيد من العاملين في التعليم والصحة والتوجيه، وإعادة النظر في نظام الولوج إلى التعليم العالي.
في قلب الغضب Parcoursup
من أبرز النقاط التي تثير استياء الطلاب نظام “Parcoursup”، المنصة الفرنسية التي تنظم طلبات الالتحاق بالتعليم العالي. وتطالب المنظمات الطلابية بإلغاء الانتقاء المرتبط بها وبنظام Mon Master، مع توفير عشرات الآلاف من المقاعد الإضافية في التعليم العالي.
ويرى المحتجون أن نظام القبول الحالي يضيف ضغطا كبيرا على التلاميذ ويؤثر في فرصهم في متابعة الدراسة التي يختارونها، خصوصا في ظل محدودية المقاعد في بعض التخصصات. كما تتضمن مطالب الحركة إعادة النظر في إصلاح امتحان البكالوريا وتنظيم الإيقاع الدراسي.
من الثانويات إلى الجامعات
اتساع الحركة بات واضحا داخل مؤسسات التعليم العالي. ووفق وزارة التعليم العالي الفرنسية، تأثرت نحو 40% من مؤسسات التعليم العالي العمومية بالتحركات في السادس من أكتوبر، سواء من خلال الإغلاق أو الاعتصامات أو تعطيل الدراسة جزئيا أو كليا.
وفي اليوم نفسه، شارك أكثر من 266 ألف شخص في مظاهرات عبر فرنسا وفق وزارة الداخلية، بينما قدر المنظمون العدد بنحو 450 ألفا. ولم يعد التحرك مقتصرا على الطلاب، إذ انضم إليه مدرسون وأولياء أمور ونقابات وفئات أخرى من المجتمع.
الحكومة تحاول احتواء الغضب
في مواجهة الحركة المتصاعدة، أعلنت الحكومة الفرنسية خمسة محاور للعمل، تتعلق بتحسين ظروف التدريس، وتنظيم الوقت المدرسي، وتطوير المباني والمؤسسات، وجعل منصة تنظيم طلبات الالتحاق بالتعليم العالي أكثر شفافية، وتعزيز مشاركة التلاميذ في الحياة المدرسية. ومن المنتظر أن تظهر أولى الإجراءات المرتبطة بهذه الملفات قبل نهاية أكتوبر.
وتقول الحكومة إن مشروع ميزانية 2027 يتضمن زيادة إضافية قدرها 1.2 مليار أورو لوزارة التربية الوطنية، في وقت ترى فيه المنظمات الطلابية أن التمويل المقترح لا يستجيب لحجم الأزمة.
إلى أين تتجه الحركة؟
رغم محاولات الحكومة فتح باب الحوار، يواصل الطلاب الضغط من أجل الحصول على التزامات واضحة وقرارات مالية ملموسة. ومن المقرر أن تلتقي المنظمات الطلابية وزير التعليم العالي في السابع من أكتوبر، فيما لوحت بعض الجهات بالعودة إلى تعطيل الجامعات إذا لم تحصل على استجابات لمطالبها.
وتكشف هذه الاحتجاجات عن أزمة تتجاوز ظروف الدراسة اليومية، إذ تعكس مخاوف جيل شاب بشأن جودة التعليم، تكافؤ الفرص، الولوج إلى الجامعة ومستقبله المهني. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، قد تتحول هذه الحركة الشبابية إلى ملف سياسي بارز، خصوصا إذا استمرت التعبئة واتسعت مطالبها.