لماذا وقع اختيارك على الشاشة الفضية لتكون نافذتك للتنشيط الثقافي؟
كنت مغرمة بشاشة التلفاز منذ الصغر ، لأنها كانت الوسيط الوحيد المتاح في عصر ما قبل الانترنيت ، كنت مولعة بكلا للا للا لا ج ج وكان لوجود شاشة واحدة في البيت ميزة نفتقدها الآن مع تعدد الوسائط واختلافها, هو تلك اللمة العائلية التي كنا نستمتع بها, حيث يجتمع كل أفراد الأسرة لمشاهدة الفقرات التلفزية من مسلسلات ومباريات كرة القدم, ومسابقات رياضية خاصة, عندما تكون هناك مشاركة لرياضيين مغاربة مثلا في العاب القوى. كنا نبرمج المنبه على ساعة معينة لننهض لمشاهدة البطل سعيد عويطة مثلا حين مشاركته في العاب القوى العالمية ع لمية ، وذلك
هل رغبت أنت ايضا في أن تستأثري بمحور الاهتمام ككل ما ومن يطل علينا عبر الشاشة؟
الأمر جاء تلقائيا, عندما اكتشفت أنني امتلك موهبة التقديم والتنشيط, وذلك عبر ما يمكن أن اسميه بالكاستينغ المدرسي الذي كان يقوم به الأساتذة في المؤسسات لاختيار التلاميذ الموهوبين في مجالات مختلفة, وذلك للتحضير لاحتفالات عيد العرش باعتباره أهم مناسبة كانت تتخلل السنة الدراسية في جيلنا, حيث كان يصادف الثالث من شهر مارس. وكنا طيلة العام نتطلع للاحتفال به ، ونحضر له في المدرسة منذ بداية الموسم الدراسي ، فكانت توزع الأدوار. فمن له صوت جميل يغني ، و من يرسم يشارك بلوحات للمناسبة ، فيما كنت أكلف بمهمة تقديم الحفل. لم أكن مشاغبة بل كنت امتلك موهبة الخطابة والتمثيلية. إذ كنت انتخب ممثلة للفصل ، لتمثيل التلاميذ للتعبير عن احتياجاتهم ، و حتى إذا لم تكن هناك مطالب كنت أخلقه.
هل تحبين سلطة القيادة؟
لا بالعكس بل كنت حقانية كما نقول بالدارجة ، كان لدي حس نقابي وحقوقي عفوي. حيث كنت أقدم ملتمسات للأساتذة ولازلت حتى الآن كذلك. إذا عوقب أحد زملائي بدون وجه حق ، كنت أدافع عنه و أفاوض بشأنه. وكانت لي مصداقية داخل الفصل ، فعندما تكون هناك فوضى في القسم ويتهم أحدهم ظلما كنت أحرص أن ارفع عنه الحيف. وكنت ألقب بالصحفية مند تلك المرحلة وبعدها أصبحت مذيعة المدرسة, ولازلت احتفظ بعدة صور تؤرخ لتقديمي لأنشطة مدرسية في مناسبات وطنية من الابتدائي إلى الإعدادي فالثانوي ليستمر الأمر كذلك بعد ولوجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي.
كيف جاء خيارك للالتحاق بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي؟
رغم توجهي العلمي في المرحلة الثانوية, كنت نجيبة أيضا في المواد الأدبية خاصة الشكل و الإنشاء وإن كنت خيبت أمل معسكر العلميين داخل أسرتي, لانهم رغبوا في أن التحق بكلية الطب أو الهندسة, لكن لم يتدخل أحدهم في قراري ولا حتى والدي أو والدتي. و اخترت بعد حصولي على شهادة البكالوريا أن التحق بالمعهد ، وتجدر الإشارة إلى كوني من جيل التعريب الذي درس الميام
استسمحك بما انك اثرت كلمة التعريب ونجد أن ا لسؤال ملح ونحن بصدد النقاش الوطني الدائر حول لغة التدريس ، نود أا نع
بتقديري السجال حول موضوع اللغة في التدريس ، هو نقاش مغلوط ، خاصة فيما يخص المواد العلمية. فالعلامات الرياضية مثلا نجدها موحدة في العالم ، لا يمكن أن نطلق على إكس جيم. تبقى لغة البرهان هي المشكل ، لذا فالتعريب بالنسبة
إلى التوجهات العلمية سيحصر النجباء من خريجي المدرسة العمومية في حيز ضيق ، ولن تفتح لهم آفاق المعاهد العالمية بعق و المفروض أن يكون هاجسنا الأول هو الرقي بالمضامين عوض أن نشغل الناس بـأشباه المشاكل لأسباب لا يعرفها يلي نا و
نعود إلى مسارك الأكاديمي لم لم تختاري التمثيل أو الاخراج في المعهد؟
بعد سنتين دراسة في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي, حيث هناك جذع دراسي مشترك, نشرع في التخصص الذي نختاره, و لم تكن لدي شخصيا ملكات سينوغرافية لأبدع فيها, فيما أمثل على المسرح دون أن أبهر. ورغم أن التلفزيون والسينما يمكنهما توفير تقنيات ومؤثرات قد تساعدان الفنان, إلا أنني كنت دوما أجد ذاتي في التقديم والتنشيط منذ طفولتي و بداية دراستي الابتدائية, حتى وصلت إلى التعليم العالي, و في هذا المجال بالضبط يتحقق لدي ذاك الامتلاء الداخلي.
ماذا يميز التنشيط الثقافي عن باقي التخصصات؟
لابد من ملكات وقدرات فطرية في المنشط, لكنها تتطلب صقلها بالمعرفة و التحصيل والمطالعة ومتابعة ما يحدث في الساحة الثقافية الفكرية, والانفتاح على المحيط, وروح المبادرة. أتذكر أنه في فترة الدراسة بالمعهد ، نظمت حفلا فنيا كبيرا سهرت على إعداده وتنشيطه. وكان ضيفي خلاله ، الموسيقار عبد الوهاب الدكالي. كان اختياري للضيف لأنه محط إعجابي ، لأن أسرتي بكاملها كانت تقدره أيضا. ووجهنا الدعوة لوزير الثقافة آنذاك الاستاذ علال سيناصر, وكان لأول مرة يحضر وزير لنشاط طلابي بالمعهد, و تمت تغطيته من وسائل الإعلام المكتوبة وكذا التلفزيون, و سجلوا معنا مقابلات حول الحفل.
وبم أنه كانت هناك استجوابات ومقابلات معنا, انتهزت الفرصة في نهاية السنة لأتقدم بطلب فترة تدريبية بالقناة الاولى,, ووضعت بيان سيرة وعليها الصورة تذكرني المدير كوني تلك الطالبة التي نشطت حفل الدكالي, واقترح أن اشتغل معهم متعاونة. , وأخضعوني لاختبار الكاميرا حيث اجتزته بامتياز فاستدعاني المدير الي مكتبه و قدمني للمخرج محمد اقصايب وقال لي اذا أردت ان تتعلمي المهنة فهذاهو الشخص المناسب لياخذ بيدك. كان ذلك ، وأنا في السنة الثالثة من المعهد ، وأنجزت معه حلقتين من برنامج حضور. وتوقفت بعد ذلك لأعد بحث التخرج ، وبعد حصولي على الشهادة سعت وزارة الثقافة في تعييننا موظفين غير انني كنت للي
شكلت ثنائيا مهنيا مع المخرج الراحل محمد اقصايب ما سر هذا التواطؤ؟
ليس من السهل التعامل مع المخرج الراحل محمد اقصايب ، ويعزى ذلك لحسه المرهف ، فضلا عن كونه كان جد متطلب مهنيا. و حتى علي المستوي الإنساني كان الرجل صادقا مع نفسه وصريحا مع الآخرين ، مع العلم أن القلة هم من يتقبلون الصراحة. اقصايب كان له مزاج مبدع ، وبما أنني قادمة من تخصص فني ، كانت لنا اهتمامات وصداقات مشتركة. أضف إلى ذلك أنه ابن حينا بالمدينه القديمة. و قد احتضنني اخته الصغرى أوابنته كما كان يحلو له أن يناديني. لم يبخل علي بالتعلم, كان للراحل اقصايب مدرسة إخراجية خاصة, وأنا تتلمذت عليها وأحاول تطويرها في عملي, لأن اقصايب يبدأ معك من انبثاق الفكرة ويواكبها بالنقاش والتحليل والنقد والتفكيك, حتى نتفق علي الصيغة التي تقنعنا ونتوافق عليها. وللأمانة فعندما تعطيه فكرة يعيدها لك في قالب أفضل ،
لذا جميع البرامج التي قدمتها كانت مع الراحل انطلاقا من حضور, ثانويات, أبواب, مشاهد, كافي تيفي … إلا برنامج الكلام المرصع كنا قد تحدثنا عن الفكرة لكن الموت خطفه قبل الانجاز, واشتغلت عليه بعد ذلك بصيغة مختلفة, لأن الفكرة الأولى كانت متجاوزة . برحيله فقدت أخا وصديقا قلما يجود الزمان بمثله رحمه الله.
أقرب برنامج إليك من كل تلك التي قدمتها؟
لا أجد أية مفاضلة بينهم لأنني أنجزهم بنفس المتعة وبذات التعب ، كل برنامج هو كناية عن تجربة جديدة ولا ذ س س
وخلال كل تجربة جديدة هناك تخوف جديد, ثم ذكرى معينة, فلقاء خاص …. لكن ربما المولود الأول أي برنامج حضور كان له وقع مهم بالنسبة إلي لأنني من خلاله وعبره تعلمت كيف أصنع برنامجا, وظفت فيه طريقة البحث التي كنا نعتمدها في تحضير بحث التخرج وتعاملت معه مشروعا ثقافيا قائم الذات. وقد ساعدتني تجربة حضور بالنسبة إلى رسالة الدكتوراه لأن تاريخ المغرب الذي اطلعت عليه من خلال البرنامج والناس الذين التقيتهم في الواقع جعلوني اتعرف علي تاريخ المغرب الذي لم يكتب, و ذلك ساعدني كثيرا في مقاربتي التي اعتمدتها.
لما نلاحظ قلة الضيفات النساء في برنامجك الكلام المرصع “بالمقارنة بالضيوف الذكور؟
الملاحظة قد تكون صحيحة فيما يتعلق بالضيف الرئيس ربما ، لكن هناك حضورمتوازن للطرفين في باقي الفقرات وما ي الأمرقد يعزى لظروف البعض منهن أوشروطهن التي تدفعهن أحيانا للاعتذار. ومع ذلك ، لابد أن نعترف أنه ليس لنا أسماء نسائية بارزة في الساحة بقدر عدد الرجال ، يجب علينا أن نعكرك
الكلام ا لمرصع صوت شخصيات الأضواء ماذا عمن في الظل؟
طبيعة البرنامج تعنى بمسارات حافلة بالانتاجات والمبادرات والإصدارت, من خلال التجارب المتراكمة لدى ضيوف البرنامج, وحتى إذا لم يكن لديهم جديد الآن فنحن نحاول أن نستفيد من أفكارهم ورؤيتهم وتصوراتهم وتقييمهم لما يحدث عالميا ومحليا, بغض النظر عن أنهم لم يعودو ا في مواقع المسؤولية أوتحت الأضواء
هل إعلامنا بخير بنظرك خاصة انك خبرت المجال من الداخل؟
يجب على القائمين عن القطاع وخاصة العمومي تحديد استراتيجية واضحة في هذا النطاق ، وبالذات في مجال السمعي البصري. ثم لابد أن تتم الإجابة بشكل واضح عن سؤال: أي إعلام يريدون؟ وأي مضمون يقترحون؟
فالخدمة العمومية واجب وليس اختيار ، لأن هناك الجمهور الدافع للضرائب. لذا لابد للقناة العمومية أن تكون شاملة, ووظيفتها دعم التعابير غير الجماهيرية في الأدب والفكر والفن, لأنها أشكالا تجريبية, تساهم في تنويع المشهد العام وليس على أي أن يصادرها أو يمنعها لأن الأمر يعزى للأذواق واختلافها. ولابد أن تراعي فيه التعددية الثقافية والفكرية التي لها أهمية قصوى, فإن كانت الموسيقى وبرامج الشباب لديها جماهيرية, فهذا لا يعني أن نهمل الأشكال الأخري ونتخلى علي دورنا التنويري والتوعوي من خلال الفكر و الأدب والثقافة, فقط لأن الفئة المهتمة قليلة. لذلك يجب أن نعي أن هناك فرقا بين الجمهورالمهتم والمشاهد المستهدف ، والوظيفة المنوطة بالإعلام ، خي و ل خ خ خ خ خ
لابد لنا من رؤية واضحة للمشهد الإعلامي فعلى الدولة أن تتحمل المسوؤلية كاملة ، فبدون إعلام منفتح على الشعب و ض واجبنا هو المساهمة في النقاش العام والتوعية وتشجيع المحاسبة ورفع اللبس عن التوجهات غير الواضحة والتسيير غير الصحي. فعندما يغيب الإعلام الجدي تنعدم المراقبة ويفسح المجال أمام الثغرات والانتهاكات ، ويعم التسيب وتنعدم المسؤولية.
هل تتقبلين النقد؟
من قبل كانت هناك صفحات الجرائد المخصصة لما كان يصطلح عليه بالنقد التلفزي ، وبما لها وما عليها كانت لها قي جم كنا أيضا نتواصل مع الجمهور عبر الملاحق الثقافية والفنية, و رغم الدور الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي الآن, فهي تبقى مجرد مجهودات شخصية للترويج للعمل و للتعرف على آراء وردود أفعال المشاهد ولو بطريقة نسبية, لأن العلاقة مع المتلقي مهمة جدا في نظري الشخصي, حيث ان النقد بالنسبة لي علامة من علامات الاهتمام ، يبقي فقط مدى احترامه لأدبيات التواصل التي يجب أن تراعى. وعلى العموم هناك تقدير متبادل بيني وبين جمهور برامجي منذ ظهوري لأول مرة على الشاشة حيث احسست بحبه واحتضاله
كيف وفقت بين الحصول على الدكتوراه التي حصلت عليها من السوربون والعمل الاعلامي؟
رغم توقفي مؤقتا عن الظهور علي الشاشة ، إلا أن عملي بالقناة ، كان له دور مهم بالنسبة إلى الموضوع الذي اخترته. ذلك أنه كان مرتبطا بالقناة الأولى وبالمغرب السياسي. فانا قمت فقط بتسجيل الرسالة ومناقشتها بالسوربون, وكان الاستاذ المشرف على البحث فرنسي ويعتبرمرجعا في تخصصه, فالاستاذ فرانسوا جوست له العديد من الكتب في المجال التلفزي وخبير دولي معروف, وكان عنوان البحث “البرامج الثقافية في التلفزة المغربية أي موقع في المشروع الديموقراطي المغربي المنشود”.
اشتغلت على مجال عملي حتى أتعرف أكثر على إشكالاته, وأضع الأصبع على مكامن الخلل, وأعرف هل فعلا البرامج الثقافية لها قيمة في المشهد الاعلامي, و هل يمكن أن تساهم في الصيرورة الديموقراطية أم لا? وهل تتوفر فعلا على وظيفة في بلدنا, وكيف تنظر إليها الدولة ؟ وهل لها من فاعلية لدي المتلقي.؟ .. لكن الخلاصة هو ان الثقافة تعد في العالم كله ذلك الفرع أو القريب الفقير في العائل. غير أن المغرب في هذا القطاع يعاني من فقر مدقع ، و لولا المبادرات الشخصية والحرص الذاتي علي الالتزام بهذا النوم ما النا ، ،
هل تراهنين على هذا القريب الفقير؟
حينما ينعم الله عليك أن تشتغل بمهنة تحبها فهذا فضل من الله ، لأن دوافع ولوج الإعلام متعددة حسب الأشخاص. فهناك من لديه حب الظهوروالرغبة في الشهرة. و هناك من يود نسج علاقات, وهناك من يهدف إلى خلق وضع اعتباري في المجتمع … أنا ببساطة لدي هدف بسيط جدا هو تبليغ رسالة الثقافة والمساهمة في نشرالوعي الفكري من باب الواجب الوطني, لأنني نتاج المدرسة العمومية المغربية, تتلمذت على يد أساتذة منحوني من وقتهم الكثير, و صرفت علي الدولة من مالها, وبالتالي فانا مدينة لبلدي بالفضل, ومطالبة أن أساهم في بناء هذا المشروع الديمقراطي الذي نطمح إليه جميعا, كل واحد يبني بطريقته: المثقف كما السياسي كما الإعلامي. بدوري يمكن أن أساهم في هذا البناء قدر المستطاع بإشاعة فكر تنويري جدي في زمن طغت فيه الميوعة والرداءة. وفسد فيه الذوق العام ، و انتشرت فيه ثقافة البوز أكثر من ثقافة العمق ، ولو أن فعاليتي رهينة باستراتيجية وطن
فتيحة النوحو


