أغادر الرباط في ذهني بعض مما سمعته عن وجهتي: ضيعة “نالسيا”. الطريق إلى مزارع الغرب لم تنل حظها مما خطته برامج الأحزاب في منشورات الدعاية الانتخابية عن تأهيل البنيات الطرقية، والدواوير هي على حالها من العزلة أيضا، كما لو لم يلق مرشح نيابي أو جماعي وعدا من وعوده المسطرة كخطب الجمعة. وحدها الأرضي الزراعية تنفخ الحياة في الغرب، وتعد بما لا يعد به المتسابقون إلى الكراسي والمناصب وهو صيانة ماء الوجه. الآن فقط عرفت لما بكى لطفي بوشناق وهو على كرسيه يغني كأنه ينتفض: “خذوا الكراسي والمناصب واتركوا لي الوطن”، الرسالة فيها اتهام بإفساد الوطن ممن يعتلون ظهر الناخب لبلوغ مرمى سلطة. ودواوير الغرب شاهدة على ذلك.
التاسعة صباحا بعد إضافة الساعة الجديدة لزمن ما بعد الصيف، من الرباط مدينة الإسمنت الذي شفط المساحات الخضراء من وجه العاصمة، إلى منطقة الغرب شراردة بني حسن، حيث الخضرة هي الأصل، والزراعة تغسل وجه الطين لتحبس قسوة الحياة فيها. تبدو المسافة قريبة لو كان الهدف عبور أو سفر عادي، لكنها طويلة وتشبه اكتشاف ما خلف وجه الطبيعة. نساء في وضعية انحناء على طول المساحات الزراعية، كأن الأرض لا تقبل بتخصيبها إلا بأيديهن، وكأنهن الجنس الوحيد الموجود هنا. الصورة جميلة ومؤلمة في نفس الوقت، لكنها تقدم الواقع الذي ينفلت من صالونات النضال عن حقوق المرأة في بلدي. الحقيقة هنا تبعد مسافات عن كل ادعاء أو تظاهر. وأول أوجهها: 70 في المائة من اليد العاملة في الفراولة هن نساء، 100 في المائة هي نسبة وجودهن في محطات التلفيف والتجميد يقول محدثي عبد الكريم نعمان، صاحب ضيعة ” نالسيا”، الضيعة النموذجية التي تعدت شهرتها حدود الوطن، والسبب منتوج دون موبيدات زراعية، أي بيو مثلما صار يروج له كدلالة على الجودة والصحة.
يحكي لي مرافقي عبد الكريم نعمان بحب كبير عن ضيعته، فمنذ عشرين سنة مرت وهي تأهل مزارعات وتضع في أياديهن خبرة فلاحية متقدمة جعلتهن مطلوبات للعمل في حقول التوت الإسباني. التأهيل والتكوين والتجريب هي من الخدمات الأساس في مزرعة “نالسيا”، اسم يوحي بأن المكان بإيطاليا، لكنه في الغرب المغربي، وهو يجمع بين الحروف الأولى لأفراد أسرة نعمان، تتقدمهم زوجته سميرة رئيسة مؤسسة “ناللسيا”. لا يذكر اسم “نالسيا” إلا مرفقا ب “نموذجية”، السبب يكمن في كون الضيعة نفضت عنها المبيدات الزراعية لترص زراعة بيو، الأمر لا يتعلق بخدعة تجارية أو موضة كما يفعل الكثيرون، لكنها الحقيقة، كون البعد المواطناتي متحكم في خطوات هذه التجربة.
المدخل يحمل يافطة ساحة ايفان ماتيو، يبدو أنها تكريم لاسم مر من هنا، قال مرافقي: هي ساحة جعلتها لتكريم إيفان، خبير زراعي فرنسي، ودكتور في علم الأحياء والتنمية المستدامة. استفادت العاملات من تأطيره المتقدم، وقد توفي عن عمر 58 عاما في ظروف غامضة. واعترافا بقيمته، جعلت الساحة التي جلس فيها يوما باسمه، لأنه خبير له قيمة عالمية. ” يقول السيد نعمان عبد الكريم.
تلتفت الضيعة للقيم الإنسانية دون أن تجعل للبعد التجاري سلطة الشر على كل شيء. هكذا استقبلت أول المعلومات عنها، عندما تقدمت نحو العاملات المنحنيات على نبتة التوت بعد أن خرجت من رحم الأرض، وجدت المشترك بينهن: “العمل حاجة ملحة، والحاجة تدعو للعمل، ومادامت “نالسيا” تحسن من أوضاعنا وهشاشتنا فإننا نعمل بقلب”.
“الكانزا” أي نصف الشهر”15 يوما” هو موعد استخلاص مقابل العمل الذي يبدأ الساعة السابعة صباحا وينتهي الرابعة مساء، وما بينهما هناك ساعة للأكل. السؤال عن الحقوق لا يقدم ما يخالف: بعضهن لهن تغطية والأخريات ملتحقات جديدات، يقول مرافقي. مكة 44 عاما، التحقت لأول مرة بضيعة “نالسيا”، لكن لها سيرة عاملة في التوت الاسباني ل أربعة عشر عاما أي منذ انطلاق الخدمة في الضيعات هناك سنة 2006 : الحمد لله بنيت بيتا، تقول مكة التي تراهن على ساعدها لأن 50 درهم التي يشتغل بها زوجها لا تكفي لأسرة فيها أبناء
إلى أن تطلق المزارع الاسبانية لوائح من تم قبولهن، هن لا يتوقفن عن العمل. هنا، بالضيعة التي لا يشتغلن فيها فحسب، بل يكتسبن خبرات أخرى عبر التأطير والتكوين الذي هو جزء من التزام مواطناتي لأهداف نالسيا، كضيعة يديرها نعمان عبد الكريم، الخبير والمؤطر الزراعي، وكمؤسسة للتنمية والبيئة والعمل الاجتماعي و ترأسها الزوجة سميرة لمحسني.
ريبورطاج : نعيمة الحاجي

