حب إلى الأبد

عندما كتب الروائي الشهير «يوسف السباعي» فيلمه «حبيبي دائما» قدم فرضية اللانهائية للحب، ولكنه لم يقل لنا كيف يعيش هذا الحب بلا تاريخ انتهاء صلاحية، وما هي الوصفة التي يتبعها العُشاق للحفاظ على بذرة المودة دون أن تذبل.

«حبك الأول هو حبك الأخير» هذه هي إحدى فلسفات الحب الخالدة، بينما يرى آخرون أن «حبك الأخير هو حبك الحقيقي المستمر»، ويتجه صنف آخر من العشاق نحو «حب الحب والبحث عن الحب في كل علاقة»، وبين كل هؤلاء تظل هناك علاقات عشق تمثل فلتات في الحفاظ على حب بلا نهاية.

نشرت صحيفة «مترو» البريطانية قصة لزوجين عاشا سوياً 82 عاماً، ووصفتهم أصحاب أطول مدة زواج في إنجلترا الحديثة، وشرحت الزوجة «جويس بوند»أنها لم تكن تتوقع أن زواجها يستمر طوال تلك السنوات، خاصة وأن حفل زفافها شهد رهاناً بين الحضور حول استمرار زواجها لمدة أكثر من 6 أشهر، خاصة وأن علاقة الحب الجنونية التي جمعتهما كانت مبالغ بها، إلا أن علاقتها بزوجها خيبت آمال المراهنين واستمرت لمدة 82 عاما، وأرجعت الزوجة البريطانية سبب هذا الحب المستمر طوال فترة الزواج والاحترام المتبادل قائلة: «زوجي رجل حنون، وأحببته منذ اللحظة الأولى للقائه و بيننا احترام متبادل، نحرص على قضاء الوقت سوياً، ولا نسمح للآخرين بالتدخل في علاقتنا».

 حكمة تلك المرأة العجوز تجعل سؤالاً يفرض نفسه «هل استمرارعلاقة الحب الأبدية بتلك البساطة أم أنه يحتاج إلى وصفة سحرية؟»، قالت لنا السعدية بوافي إن سر استمرار حبها لزوجها أكثر من 55 عاماً هو: «الصبر والمودة، أنا تزوجت بعمر صغير، ورافقت زوجي في رحلة حياة زوجية انتهت بوفاته منذ أربعة أعوام، وطوال فترة زواجنا لم أطلب الانفصال عنه أبداً، حتى لو اختلفنا في وجهات النظر أو رفض لي طلباً لم أكن أراجعه في غضبه، بل كنت أتحرى الوقت المناسب للنقاش، وكنا دائما نجدد المودة بيننا حتى لو دون كلام، فالأفعال أفضل من الكلام، وهذه المودة التي أكنها له، لم تنقص مع ضغوط الحياة أو مسؤوليات الأبناء، وظل طوال عمره يتحدث عن التضحيات التي قدمتها له، وأعتقد أن قصة حبنا لم تنته بوفاته، ولكني أعيش على أمل أن ألقاه في الجنة».

الأذن تعشق قبل العين

 «حبنا منتهاش …على الرغم من كل الظروف الصعبة التي مرت بها علاقتنا، بداية من اصراري على عدم الزواج نظراً لمرض والدتي، ثم الموافقة بعد تحسن حالتها، والمرور بأزمات مادية، وحياتية كثيرة خاصة مع وجود ثلاثة أبناء، إلا أننا نظل عاشقين كأننا في شهر التعارف الأول، وأعتقد أن هذه العلاقة أساسها الاحترام، والحفاظ على الحب يأتي أولا من الرجل بقدرته على احتواء المرأة والتقرب منها بالكلام المعسول، لأن الأذن تعشق قبل العين، وبالطبع الصبر والرحمة هما أساس الحفاظ على أي حب، وأنا برفقة زوجي نحرص دائما على وجود وقت مميز لنا سوياً لنجدد به علاقة الحب، فالحب مثل النبات يسقى بالاحترام والتفاهم والرعاية وليس بالأحلام» تقول مريم العسال.

اتهمت زينب سعدي خشونة الراجل المغربي في كونها السبب الرئيسي لعدم استمرار الحب والعلاقات السعيدة لسنوات طويلة وقالت: «ليس هناك ارتباط شرطي بين استمرار الزواج ل100 عام وأنها علاقة صحية أو يشعر الزوجان فيها بالسعادة ويستمر بها الحب، لأن الاستمرارية لا تعني بالضرورة وجود حب ، لأن كثير من الشركاء تجمعهم المصالح والوجهة الاجتماعية بلا وجود للحب، فمن وجهة نظري جودة علاقات الحب لا تقاس باستمراريتها، ولكن بالأثر الجيد أو السيئ الذي تتركه تلك العلاقة في نفوس الشريكين، وتقاسم المسؤوليات في المغرب الحديث أضاف ضغوطاً على المرأة بمؤسسة الزواج، فأصبحت ترى أي تقصير من جانب الرجل شيئاً لا يمكن السكوت عنه، خاصة وأنها تشاركه المسؤولية كاملة، إضافة إلى ندرة كلمات الحب بين الزوجين مما يخلق حالة جفاء عاطفي حتى لو استمر الزواج».

 لاتوجد علاقة بلا خدوش

شعيب صبوري
استشاري العلاقات الأسرية

اتفق شعيب صبوري استشاري العلاقات الأسرية مع وجهة النظر السابقة قائلا: «التعبير عن الحب بالتصرفات النبيلة والكلام الجميل هو سبب رئيسي في استمرار العلاقات بين الناس عموماً، خاصة بين الأزواج، لأن الإنسان بطبعه يميل إلى العلاقات المريحة، وأكثر المشكلات التي تحدث بين الأزواج والمحبين تكون لسببين أولهما رفع سقف التوقعات من الطرف الآخر، والثاني هو الفهم والتأويل الخاطئ للتصرفات أو الأحاديث، لأن بعض الشركاء يفسرون المواقف أو الكلمات وفقاً انطباعاتهم أو أهوائهم وخلفياتهم الشخصية، وهذا بالطبع يفتح باباً للشجار لا يمكن إغلاقه بسهولة، والعلاقة العاطفية في أساسها المودة وهي «العطاء دون مقابل خاصة من جانب الرجل» والرحمة وهي «التجاوز عن الأخطاء من الطرفين، لأننا بشر نصيب ونخطئ ويجب أن نتعامل بهذا الوعي».

«يعتقد البعض أن اعتزال الناس، وعدم الإقبال على الارتباط هو الحل لتجنب الإيذاء العاطفي أو النفسي، ولكن هذا اعتقاد خاطئ لأن الإنسان يقع فريسة للاكتئاب والوحدة بهذا الاختيار، الذي يخالف فطرته المبنية على التواجد في جماعات، إضافة إلى أن التعرض للأذى النفسي في أي علاقة يكون بسبب عدم وجود مسافة الأمان، وهذا ينطبق على أي علاقة بما فيها الزواج، لأن مسافة الأمان تلك هي التي تحافظ على حدود الإنسان ولا تسمح للشريك باقتحامها، فكل إنسان له مساحته وحدوده، ومن يرغب في علاقة بلا خدوش سيظل دون علاقات، والحفاظ على استمرار العلاقات بشكل صحي وجيد للشريكين هو الاختيار الصعب، أما الأسهل هو إنهاء تلك العلاقة والبحث عن ألم جديد في علاقة جديدة» يقول صبوري.

لخص المتخصص في مرافقة العلاقات وصفة الاستمرارية لعلاقات صحية وحب بلا نهاية في عدة نقاط هي: «الحب آية من آيات الله، والعلاقات بين الشريكين لا يمكن التعامل مع استمرارها باستهتار، ولكن تعلم إدارة تلك العلاقة يجب أن يكون في منذ بدايتها حتى لا يحدث انجراف في المشاعر دون وعي أو تمييز، فنحن نخضع لحصص مكثفة قد تمتد لأشهر قبل قيادة سيارة، فما بالك بإدارة علاقة، وعلى الشركاء اختيار الأشخاص المناسبين من البداية، ولكن تنفيذ أحلامنا في حياة الآخرين من الممكن أن يعطي بطاقة حمراء مجانية من العلاقة، وبالطبع يتحمل الرجل المسؤولية الأكبر في الحفاظ على استمرارية العلاقات بقدرته على احتواء المرأة، التي تقدم له نفسها في البداية أملاً في علاقة أبدية».

«إذا كان الرجال يخشون فقدان امتيازاتهم، فلا عليهم، إذ إنهم سيفقدون معها أعبائهم التقليدية في الوقت نفسه».
تتطابق شهاداتهن إلى درجة لافتة للأنظار، لولا اختلاف أسماء صاحبات القضايا، اللاتي يتحولن إلى أرقام في قائمة طويلة من الملفات بمجرد أن تطأ أقدامهن ساحات المحاكم، بحثاً عن حق كفله لهن القانون.
ينتظر المغرب تعديلات مرتقبة لمدونة الأسرة بناء على توجيهات جلالة الملك محمد السادس.