الحسين آيت المهدي : أصالة القفطان خط أحمر لا يتجاوزه الإبداع

في كل نسخة من أسبوع القفطان ثمة من يعمل في الظل قبل أن يتألق الضوء على المنصة، المؤطر الذي يحوّل الفكرة الخام إلى إبداع ناضج. المصمم والكوتش الفني الحسين آيت المهدي ليس غريبا عن هذا الدور، بتجربة راسخة في تعليم الموضة وتصميم الأزياء، يجمع بين صبر المعلم وحدّة الناقد ورؤية المبدع. لم يكتف بتأطير المواهب الشابة وإعدادها لتترجم ثيمة نفس الأطلس بصريا وحرفيا، بل انتقل لاحقا إلى كرسي التحكيم ليقيس بمسطرة موضوعية ما صنعه في الكواليس. حوارنا معه كان فرصة للنظر خلف الستار.

هذه مشاركتك الثانية في تأطير المواهب، ما الذي تغيّر في طريقة اشتغالك مقارنة بالتجربة الأولى؟ وهل أصبح الأمر أسهل أم أكثر مسؤولية ؟

صراحة، بما أنني أشتغل في مجال تعليم الموضة، وتصميم الأزياء والكوتشينغ الفني منذ سنوات مع الطلبة، فقد أصبح موضوع التأطير بالنسبة لي مسألة ممتعة أشبه بالهواية أو الشغف. لكن تأطير المواهب الشابة المشاركة في تظاهرة أسبوع القفطان يضعني أمام مسؤولية كبيرة، لأن العالم بأسره يترقب عروض البراعم الناشئة. تجربة السنة الماضية لم تكن سهلة، لأن موضوع الإيحاءات المستلهمة من الصحراء كان حساسا ويحمل أبعادا فنية دقيقة، سواء من حيث الاقتباس أواحترام الفكرة الأساسية، والحمد لله كانت الإبداعات غاية في الروعة. أما موضوع هذه الدورة فهو شيق وغني بالإيحاءات، لذلك ربما كان الإبداع فيه أسهل، لكن مسؤوليته كانت أكبر بالنسبة لي، لأنني كنت أطمح إلى تقديم إبداعات وعرض أفضل، والحمد لله كانت النتيجة جد حسنة.

ما الذي لفت انتباهك في مستوى مواهب هذه الدورة مقارنة بالدورات السابقة؟

أشتغل مع المصممين الشباب ليس فقط على مستوى الجمالية والإبداع، بل أيضا على مستوى التقنية والجودة في جميع التفاصيل، خصوصا ما يتعلق بانتقاء نوعية الأقمشة والاشتغال على إتقان الصناعة التقليدية. والأمر الذي لفت انتباهي هو أن المصمم المغربي الشاب شغوف جدا بعمله، كما أنه حريص على تقديم عمل إبداعي يوازي تصاميم كبار المصممين.

«نفس الأطلس» تيمة غنية وشاعرية، هل كان من السهل ترجمتها من طرف المواهب الشابة على أرض الواقع؟

بالنسبة إلى موضوع الدورة، فقد تناوله كل مصمم من منظوره الشخصي وبطريقته الخاصة، وعبّر عنه بأريحية لتوصيل رسالته إلى الجمهور. أكيد أن ثيمة نَفَس الأطلس تتطرق إلى العديد من الأفكار والإيحاءات المستوحاة من الطبيعة، كالأحجار الكريمة الموجودة في جبال الأطلس، خصوصاً الأطلس الكبير، أو من ثقافة المرأة الأسرية والمجتمعية واهتمامها بجمالها وأناقتها، من خلال اعتماد الحلي الأمازيغية القديمة وتقديمها بطريقة عصرية وشبابية. وهناك أيضاً من استوحى مجموعته من حياكة الزرابي والأقمشة التقليدية.

في الحقيقة، كل واحد من المواهب الشابة بذل مجهودا كبيرا، وحاول تطبيق فكرته بطريقة فنية مرتبطة بالموضة. ومن جهتي، حاولت تطوير هذه الأفكار معهم وتقديمها على أرض الواقع وفق رؤيتهم الشخصية والمعاني الفنية التي اشتغلوا عليها، من أجل تقديم مجموعات مميزة تختلف عن المألوف. لذلك، بالنسبة إليّ، كل مشارك هو فائز، لأنه عبّر عن محتواه الفني بطريقة مميزة وخاصة.

وبالنسبة للصعوبات… 

في الحقيقة، الأمر الصعب الذي واجهته مع المواهب الشابة، والذي حرصت على تلقينهم إياه، هو ضرورة الإبداع الذي يميز موهبة المصمم، لكن دون طمس هوية القفطان، وذلك من خلال الحفاظ على تفاصيله وتصميمه وحكايته عبر الزمن، إلى جانب حرفية الصانع التقليدي وكل المكونات التي تقترن به وتزيد من جماليته ورونقه، وهو ما يساهم في الحفاظ على أصالته دون تحريف.

انتقلت من دور المؤطر إلى عضو لجنة التحكيم للحكم على نفس المواهب التي رافقتهم، كيف تمكنت من الفصل بين المشاعر والموضوعية؟

الحمد لله، لدي القدرة على ارتداء عباءة المؤطر، ومواكبة المصممين الشباب في أفكارهم والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة مع كل واحد منهم على حدة وبدون تحيز. وبكل مسؤولية، أنتقل بعد ذلك إلى ارتداء عباءة عضو لجنة التحكيم، والنظر إلى تصاميم المبدعين الشباب بعين المتلقي الذي يكتشف الإبداعات وتفاصيلها لأول مرة بكل شفافية.

ولحسن الحظ، يرافقني عضوان آخران في لجنة التحكيم، وأدعوهما للاطلاع على التصاميم والتفاصيل الدقيقة في إبداعات المصممين الشباب قبل العرض، حتى يكونوا على اطلاع شامل بجميع التفاصيل ويتعرفوا عن قرب على الرؤية الفنية والأبعاد الشخصية لكل موهبة شابة.

بين الأصالة والجرأة الإبداعية والتقنيات الحرفية، ما الذي رجّح كفة الفائزة من وجهة نظرك؟

اتفقنا على تتويج مريم الكفلاوي لأنها استوفت جميع العناصر المتعلقة بالرؤية الفنية والبعد الشخصي للمصمم. فقد اختارت موضوعا نادرا ما يفكر فيه المصممون، من خلال تجسيد ثيمة الدورة بنَفَس بارد، جسّدته في ثلوج قمم جبال الأطلس بمدينة إفران، وكأنها عروس الأطلس. بل وأكثر من ذلك، اعتمدت اللون الأبيض وظلاله المتمثلة في الأزرق السماوي الفاتح الذي يتشكل فوق الثلج، ويمنح تلك الإيحاءات الجميلة والأشكال الطبيعية للتراكمات الثلجية. كما اشتغلت على مجموعة من الأقمشة المختلفة باللون نفسه، وأبرزت تفاصيل إبداعها وتصميمها، وهو أمر يصعب على المصمم تطبيقه بسهولة. ولا ننسى أيضا شخصيتها وطريقتها في التعبير عن أفكارها وتجسيدها لثيمة الدورة بطريقة احترافية.

كمصمم عاش تجربة أسبوع القفطان من الكواليس وعلى المنصة، نصيحتك لموهبة شابة تخطو أولى خطواتها اليوم؟

أهم نصيحة أوجهها للمواهب الشابة هي ضرورة البحث في الأصول المغربية والتعمق فيها، بحسب الجذور أو النشأة، من طنجة إلى الكويرة، لأن الجذور هي ما يميز المصمم ويمنحه هوية وقوة داخلية تنعكس على أفكاره وشخصيته وإيحاءاته. علينا أن نبقى أوفياء لبلدنا، وأن نستمد أفكارنا من تراثنا العريق والغني، لأنه هويتنا وصورتنا أمام العالم. وللإشارة، هناك العديد من المصممين العالميين الذين يتوافدون على المغرب لاكتشاف تقاليدنا ورموزنا الثقافية والتعايش معها من أجل الاستلهام منها. لذلك أدعو المواهب الشابة إلى اتباع النهج نفسه، والاعتزاز بموروثنا الثقافي واستثماره في تصاميمهم. وخير مثال على ذلك المواضيع التي تمحورت حولها الدورات السابقة لأسبوع القفطان، وهي ثيمات جميلة تدفع المصممين إلى البحث واكتشاف تراث هذه المناطق.

يتميز هذا الحفل بالإعلان عن المعلمين الصناع الحاصلين على لقب "كنوز الحرف التقليدية المغربية".
بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس، برقية تعزية ومواساة إلى صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة
لم يقف نجوم عرب عند إقصاء منتخب أسود الأطلس أمام المنتخب الفرنسي ليلة أمس بحزن اللحظة، ولا بفارق النتيجة المؤهلة