الآباء والأبناء : لعبة التأثير والتأثر

من يؤثر في من ؟ بين الأبناء و الآباء علاقة خاصة سهلة وممتنعة، وقد تكون معقدة، علاقة قد تبدو عمودية في الظاهر، لكن الخبراء يؤكدون أنها أفقية بل عرضانية، قائمة على التفاعل وفيها تأثير وتأثر.

حين يتم التفكير في العلاقة بين الآباء والأبناء،  غالبا ما يتبادر للذهن، أن الآباء هم من يمسك بناصية العملية التربوية..معطى ليس خاطئا، لكن الحديث عن طرفين : مرسل ومستقبل، تفترض أيضا وجود رسالة ورد فعل ، ما يجعل العملية تفاعلية، فيها تأثر وتأثير بين الآباء والأبناء.اذ كما يزرع الآباء قيما وأسلوبا أو منهجا أو معارف لدى الأبناء، يمكن للأبناء بشكل آخر أن يؤثروا في قناعات الوالدين، في حياتهم وتعاملاتهم ودائرة معارفهم وقراراتهم صغيرة أو كبيرة.

لم تكن العملية معكوسة من قبل، لكن ربما لم ننتبه لها بما يكفي”، يقول يونس موظف أب لثلاثة أبناء، “اذ صحيح أننا نتغير في مسار تربيتنا لأبنائنا، نتعلم أشياء ونتخلى عن قناعات، ومع كل تجربة هناك تفاصيل، اذ ما نؤمن به كتربية مع الابن الأكبر، يتغير مع الابن الأصغر، لأننا نتفاعل مع أولادنا ونغير من أسلوبنا بما يضمن أن نكون مربين متوازنين”.لايؤمن يونس بفكرة الأب أو الأم المثالية، “نحن نخطئ في التربية، وقد يكون الأبناء سبب مراجعتنا لأسلوبنا أو أفكارنا”.

كل الآباء بدون استثناء، عاشوا بدون شك، لحظات مواجهات حادة مع الأبناء، قد يكون سببها الاختيارات المختلفة والمتناقضة أحيانا، من أبسط الأمور الى أعقدها، لذلك تفتتح نعيمة شهادتها بالقول “ان محاولة فرض الاهل اختياراتهم على الأبناء نابع من الحب والخوف عليهم لدرجة الرغبة في امتلاكهم، ففي البداية، وبحكم السن، قد يكون  الأبناء مستقبلين جيدين لوصايا أو أسلوب  الآباء : تلبسهم على ذوقك، وتضع برامجهم حسب مقاييسك، لكن حين يكبرون ، يفرضون رأيهم، وهو أمر غير إيجابي بنظر البعض، فنضطر نحن لتغيير برنامجنا أو مواقف وأفكار بما يتناسب مع رغبتهم واختياراتهم، او بما يمكن أن نتعلم منهم”.تؤكد فتيحة على فكرة ” التعلم من الأبناء”..ان جزء مهما من مدارك الأبناء يأخذونه من عالم خارجي، فيه الجيد وغير الجيد، مما يعطيهم خبرات أيضا، ليس بالضرورة أن يمتلكها الآباء”.

أجيال ومدارك

سهولة وصول المعلومة للأبناء في جيل وعالم رقمي، جعلتهم يسبقون الآباء في اكتساب بعض المدارك، والاطلاع على معارف جديدة، وهو ما جعل عملية التعاطي مع الأبناء تفرض على الآباء الأخذ بعين الاعتبار معطيات  العالم المتغير، التي تجعل الأجيال الجديدة والأبناء يستقبلون أفكارا وقيما ليس بالضرورة هي ما يستقبلونه في البيت، وبالتالي يحملون هم أنفسهم للآباء خلاصة تعلمات جديدة.:تعلمت من ابنتي الكثير ليس اقله كيفية استعمال السوشل ميديا بشكل فعال. ابنتي ادخلتني عالم السوشل ميديا، كانت تلح علي كي اعرف ما يحدث في هذا العالم الواسع، وكنت نوعا ما ابدي مقاومة خفية.. كانت لدي أفكار مسبقة عن رواد العالم الأزرق كاشخاص يضيعون الوقت، لكني اكتشفت معطيات أخرى وماذا يحدث في هذا المجال.. ثم كان ذلك سببا في الترويج لعملي في عالم الديكورات، وحدث بتأثير مباشر من ابنتي”.

هل يستوعب الأبناء ؟

خلق الأبناء لزمن آخر كما يقال، ومن الطبيعي ان يكونوا مختلفين، و يفكرون وفق أمزجة تناسب سنهم ومعارفهم وعمرهم،”أخطر مرحلة هي المراهقة، وفيها يعاني الآباء من تغييرات و اضطرابات نفسية وقد لا تكون لهم ثقة بالنفس وبالغير، من الصعب الحديث هنا عن تأثير الآباء، تقول مريم، طبيبة،  لأنهم يرفضون أي نصيحة أو موقف من الآباء،و تكون لهم حديقة سرية، ان ذلك يؤثر على الآباء، فيشعرون أحيانا بالعجز، نتحدث عن الأوقات المشتركة، وبناء الثقة والتوجيه، ولكن هل تحدث الأشياء فعلا كما يجب؟”

لا تخضع علاقة الآباء بالأبناء  لمنطق معين أو حسابات مضبوطة، بل تنتمي لنوعية العلاقات التي تكون مليئة بالتجاوزات والاخطاء غير المقصودة، كما ان خبرات التفاعل بين الأبناء و الآباء، تختلف حسب المراحل العمرية ومع  كل اكتشاف أو اعادة اكتشاف للعالم، لكن هل تعودت الأسرة على استقبال السؤال والنقاش والرأي الآخر والرفض  بالاريحية الممكنة، توشك سناء فنانة، على الجزم بعكس ذلك “لدينا مشكل تواصلي بين افراد العائلة الواحدة وبين الاجيال المختلفة، كما أننا لم نتعود على طرح السؤال أصلا ، بسبب عقود من التربية والجو العام، لكن ان أبناء  اليوم واعون بشكل أكبر، وعلى الكبار آباء او مربين أن يتفاعلوا مع ذلك بشكل إيجابي”، وتذهب سناء الى أبعد من ذلك، بالقول ان الآباء عليهم أن يقرأوا  ويجددوا خبراتهم التربوية، لكي  يكونوا بمستوى التفاعل الإيجابي مع أبنائهم، لكن ليس على أساس انهم بدون خبرة بل لهم ما يفيدوننا به”.

رأي الأخصائية

د.عائشة أبو رقيق، أستاذة علم النفس التربوي

التفاعل الدينامي يكسب الأبناء القيم ويتحكم في التمرد

كيف تجدين  شكل العلاقة بين الأباء والأبناء بما هي تاثير متبادل ؟

في علاقة الآباء بالابناء، هناك ملاحظة تفرض نفسها، وأصبحت اليوم ظاهرة تربوية، وهي ضعف سلطة الآباء وقدرتهم على التوجيه واقتصار اهتمامهم على التحصيل الدراسي فقط، وهو جانب واحد من شخصية الناشئ، بحيث غابت النظرة الشمولية في التعاطي مع جوانب من شخصية الأبناء ككل، وهذا بسبب عوامل متعددة، منها الغياب التام للاباء عن الأبناء بسبب العمل، وكثرة مطالب الحياة أو بسبب عدم الوعي بأهمية التواصل الذي يكشف فيه الابن عن أناه الأعلى، من خلال ما يقوله الابوان، من أوامر ناهية ومواقف مشجعة أو مكافئة.

هناك أيضا تغير المعطيات الثقافية للمجتمع مثل اللغة والدين والعادات، وما يمكن أن يميز مجتمعا عن آخر، وهذا يخلق حالة اضطراب، فما كان محظورا بالأمس أصبح مباحا اليوم.كذلك قد يختلف الأبوان في توجيه الأبناء، وقد يكون أحدهما محافظا و متمسكا بثقافة المجتمع عكس الطرف الآخر الذي قد يكون رافضا لما هو سائد، لفائدة ثقافة أخرى.

تعدد الاتجاهات التربوية بتعدد الأنظمة التعليمية، وضعف النظام التعليمي وافتقاره للنظرة الشمولية وعدم تبنيه لمعايير جماعية موحدة تساعد الأبناء على تكوين الانا والانا الأعلى التي بها يكتسبون معايير وقيما توحدهم مع المجتمع بالتالي مع الآباء.

ما هي حدود التأثر أو التجاوز

قد يصل التاثر السلبي  حد الجنوح الاجتماعي، وسبب ذلك هو فشل  التنشئة الاجتماعية في تنمية روح التعلق الاجتماعي.

كذلك تؤدي المغالاة في الاهتمام بالأبناء وتلبية كل مطالبهم الى تجاوز الحدود،  بعدم مراعاة حقوق الاخرين وإعلان العصيان والعدوان، لذلك يجب البحث عن بديل تربوي ثقافي اخر لمفهوم السلطة التبعية بين الإباء والابناء، وتبني مفهوم التعلق الذي يبني العلاقات على أساس الحب التعاطف والأمان وهذه العلاقة المتبادلة تنطوي على التفاعل الدينامي الذي يكسب الأبناء القيم ويتحكم في ظهور التمرد.وتعتبر علاقات التعلق هي الطريق الوحيد لانهاء الصراع على السلطة بين الإباء والابناء بكل اشكاله، وهي العلاقة التي على الإباء مسؤولية تأسيسها بالتفاهم على أسلوب تربية الأبناء.

احتفلت الوكالة الوطنية للمياه والغابات بصفتها الجهة المسؤولة عن تدبير هذه المناطق بالمغرب، بشراكة مع إقليم إفران  وجمعية Living Planet Morocco ،
ظهر اسم مصمم الأزياء علي قروي، كإسم لامع في تصميم الأزياء لمشاهير العالم.