إرهاب : المهاجرون العرب والمسملون بأوروبا في عين العاصفة

اسبانيا : محمد المودن

خلفت الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها فرنسا خلال يناير المنصرم، سياقا سياسيا واجتماعيا مرتبكا، أعاد أجواء القلق  والاضطراب إلى مفاصل المجتمعات الأوروبية على غرار ما استنبتنه أحداث الحادي عشر من سبتمبر في بقاع العالم. فقد وضعت الأحداث المدانة في باريس من جديد، التقابل بين الشرق والغرب، وبين المسلمين المهاجرين والمجتمعات الغربية المستضيفة لها.

الحدث والسياق
الاعتداء الإرهابي على صحيفة شارلي إيبدو الساخرة وقتل عدد من صحفييها في استعراض بشع للإرهاب، ثم السعي في تنفيذ اعتداء لاحق في إحدى المراكز التجارية بالعاصمة الفرنسية باريس، جرى في ظل متغيرات محلية تعيشها أوروبا، وأخرى دولية تتأثر بها القارة، ما منح للحدث زخما أصابت تداعيته سكينة التماسك الاجتماعي الأوروبي في شقه الذي يعني الصلة بين مكوناته المحلية والوافدة،  بل تعني أيضا مستوى آخر من التماهي المشكل بين ما هو محلي ووافد في هوية مركبة جديدة. ملامح السياق الذي يحيط بهذا الاعتداء، تحدده بشكل أساس، ظروف الحرب الدولية على تنظيم «داعش»، واستشعار الخطر من تمدده، بسبب ارتباط مكون من النسيج الاجتماعي الأوروبي ببنية هذا التنظيم، والمتمثل اساسا في فئة شبان أوروبيين، ذوي أصول عربية، وأيضا من أصول أوروبية، يشكلون مصدر سند بشري قوي ل«داعش». وتعلن في هذا السياق السلطات الأوروبية ، أن التهديد الأمني الأكبر التي تعيشه أوروبا، مصدره هؤلاء المقاتلون الأوروبيون المتوجهون إلى سوريا والعراق، للقتال في صفوف تنظيمات متطرفة.
التهديد الآخر المتربص بالسلم الاجتماعي بأوروبا، هو صعود اليمين المتطرف بشكل أوسع وواضح، في الفضاءات العمومية والخاصة في المجتمعات الأوروبية، في فرنسا مثلا، بات اليمين المتطرف ممثلا في حزب مارين  لوبين، قوة سياسية قد يكون لها وزن فاعل في تدبير القرارات العامة بالبلاد. وبالتأكيد، سيمعن  ذلك في تثبيت جدارت العزل الثقافي والسياسي بين الوافدين والمحليين.
اختلال آخر تئن تحت دقات طبوله غشاء المجتمع الأوروبي، هو التباين الثقافي في فهم القيم الغربية، والتعامل معها انطلاقا من قيم ذاتية حساسة، مثل الحرية والمسؤولية. ويتجلى ذلك لافتا، في تعاطي بعض الصحافة مع الرموز الدينية التي أفرزت في مناسبات شتى تنافرا بكلفة اجتماعية كبيرة.
مسلمو أوروبا من جديد تحت الأضواء الكاشفة
« الإرهاب لا دين له»، و«ليس باسمنا»، شعارات رددها متظاهرون مسلمون في مختلف فضاءات أوروبا في تظاهرات تندد بالإرهاب، وبالاعتداء على الحريات وعلى الصحيفة. يقول خالد باحث في الانتروبولوجيا بجامعة فالنسيا في حديث إلى «نساء » : «لقد خرج عدد  كبير من أبناء الجاليات المسلمة في فرنسا وفي إسبانيا كما أعلم للتنديد بالاعتداء على الصحيفة الفرنسية»، ويضيف « غالبية مسلمي أوروبا من غير المتشبعين بأفكار تيارات متطرفة، وهم قلة،  متشبعون بقيم حداثية مثل الحرية والديمقراطية، ويدافعون عنها على الرغم مما يسوق الإعلام  عن هذه المجموعة في أوروبا».
برأي عدد من النشطاء والمراقبين في مجال الهجرة والتعدد الثقافي، في مجتمعات الهجرة الأوروبية، فإن الاعتداءات الإرهابية على الصحيفة الساخرة على شارلي إيبدو، وضعت جميع مسلمي أوروبا، وعددهم 15  مليون مسلم، تحت الأضواء الكاشفة، مقرونة بالشكوك والتهم الظاهرة مرة، والباطنة مرة ثانية. وبربط مجاني بين طرفي معادلة لا تقبل بالتمازج والانصهار، جرى صياغتها بليل. يقول عمر الحرتيتي رئيس جميعية «إشبيلية تستقبل» إحدى كبريات الهيئات المدنية التي تنشط في مجال الهجرة  بإسبانيا في حديث مع نساء : « لماذا يتم دائما الربط في مثل هذه الاعتداءات المدانة والمرفوضة بين منفذي الاعتداءات المحتلمين، وبين الإسلام والجاليات المسلمة؟ لماذ يتعين على المسلمين في أوروبا أن يخرجوا في كل حادث شبيه للدفاع عن براءتهم  بدل أن يخرجو فقط للتنديد ودعم الضحايا كما يفعل المحليون؟، ويمضي متسائلا : « لماذ لا يتم اختزال المعضلة في أن هناك مجرمين ومتطرفين نفذوا اعتداءات ويتعين محاسبتهم، دون تمطيطها إلى التشكيك في جالية بأكملها ساهمت منذ وصولها الأول في بناء أوروبا ولها يد بيضاء على نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي».

الإعلام والزوايا المغيبة
الاعتداء الإرهابي الأخير، الذي عاشته فرنسا واستهدف أوروبا، بعدما كان استهدف فرنسا نفسها من قبل في حادث سابق وكذلك مدريد ولندن، جعل الإعلام ممثلا في الصحيفة الساخرة شارلي إيبدو ضحيته هذه المرة. في مقابل ذلك، كان الحادث الذي ضحيته الصحيفة الفرنسية الساخرة مغنما للآلات الإعلامية الكبرى، لتجديد شهيتها في استغلال الحادث تجاريا وإعلاميا، وتسليط الضوء على ما يقتضيه التعامل الفاعل مع الحادث، للوقوف على أسبابه لاجتثاثه. في هذه النقطة، تمد الصحفية الإسبانية فاطمة فيرنانديث بايينا التي تعمل بصحيفة «ديايرو دي سيفيا»، «نساء » بموقفها في هذا الشأن وتقول، مشخصة خللا في التعامل الإعلامي سواء أكان  في  فرنسا أم حتى في إسبانيا مع الحادث، في تلميح منها أن الإعلام يسقط في تعميم مجاني بتسلطيها الضوء على الجاليات المسلمة والعربية كلها بإوروبا إنما يكون على حساب «الموضوعية المنشودة» فتقول : « إن «الموضوعية» المفترضة التي يتعين أن تنشدها أي وسيلة إعلام تبدو مشوهة لأن الصحفيين والإعلاميين ينهلون من «معينات جافة» (مصادر غير وافية ومنقوصة عن الآخر) تؤثر على نظرتهم  ومعالجاتهم»، أو أنهم من ناحية أخرى «تريد وسيلة الإعلام  أن تساير السخط العام القائم في الشارع من دون الانفتاح على زوايا مخالفة لتسليط الضوء على القضية في جوانبها المختلفة كما يجب على كل مهني في الإعلام ». وتضيف فاطمة فرنانديث مبرزة : «أعتقد أن صرخة الحرب التي كانت تردد «أنا شارلي إيبدو»، من وجهة نظري، قد ركزت على الحادث وليس على السياق». وتشدد الصحفية الإسبانية بصحيفة ّدياريو دي سيفيا» إن التعميم الذي سقطت فيه وسائل الإعلام وخاصة التلفزيون بتسليط الضوء على كل الجاليات المسلمة في أوروبا أراه أمرا يعدم المنطق ومبالغ فيه».
الإعلامية الإسبانية لولا بانيون وأستاذة الصحافة بكل الإعلام بفالنسيا، في حديثها إلى «نساء المغرب»، تسجل على المعالجات الإعلامية سواء في فرنسا أو إسبانيا كونها «لم تطرح الموضوع الحقيقي للنقاش الذي يتعين على أوروبا طرحه». فتقول :  «الإعلام سواء في فرنسا أو في إسبانيا أثار عاصفة إعلامية ضخمة لكنهم لم يثيروا ما اعتقده جوهر النقاش الحقيقي الذي يجب التطرق إليه». وتمضي بانيون موضحة : «كان على إعلامنا ان يطرح  الآتي ويتأمله الساسة في أوروبا كذلك، وهو : «أن منفذي الاعتداءات الإرهابية هم فرنسيون ومن أجيال ثانية أو ثالثة للهجرة». ثم تسترسل قائلة :  «على فرنسا أن تحلل لماذا اثنين من مواطنهيا أو من جيل مهاجريها الثاني أو الثالث هم من نفذوا الاعتداءات واعتنقوا تلك الأفكار المتطرفة».

الجاليات العربية والمسلمة  على مرجل الخوف والرعب
تجتاج الجاليات العربية والمسلمة، ببلدان أوروبية وفي طليعتها فرنسا، موجة قلق وخوف شديدين، من تداعيات الاعتداءات الإرهابية التي عاشتها فرنسا، على مستقبلهم الاجتماعي والاقتصادي، وعلى تعايشهم اليومي مع المكون المحلي في مهجرهم الأوروبي. فمازالت تتداعى إلى الأذهان  قرارات  شد الخناق على تنقلاتهم وحرياتهم العامة، عقب اعتداءات إرهابية شبيهة عاشتها أوروبا مؤخرا. وينتابهم خوف من سن سياسات متشددة تخص الهجرة كرد فعل على الاعتداء، في خضم تنامي قوى يمينة متطرفة. ومطرقة الأزمة الاقتصادية مازالت تكبس أنفاس هؤلاء المهاجرين في هذه القارة العجوز. ويخشون أن تمعن هذه الاحداث في عزلهم اجتماعيا وثقافيا، مما قد يعيق مساعيهم في مغادرة ظروفهم الاقتصادية. وفي هذا السياق يذكر عمر الحرتيتي رئيس «إشبيلية تستقبل»ان القلق متعاظم في صفوف المهاجرين، من أن تكون هناك سياسات تؤثر على الوضع القانوني لهجرتهم.
مصدر القلق الآخر الذي يربك الجاليات العربية والمسلمة عموما، هو بروز قوى يمينية متطرفة بشكل قوي، أكثر من ذي قبل في بلدان مثل فرنسا وألمانيا، بل ونفاذهم إلى المؤسسات العمومية، مثل الأحزاب  والمؤسسات  التمثيلية  الأخرى، مثل البلديات وغيرها، بل وتحولهم إلى تجمعات اجتماعية تحرض ضدهم في الشارع. وتقول الإعلامية الإسبانية وأستاذة الصحافة بكلية الاتصال بفالنسيا لولا بانيون: «اليمين المتطرف بدأ يجتاح أوروبا على نحو كبير وبدهي، وهذه التيارات تقتات على مثل هذه الاعتداءات الإرهابية،  لتقوية حضورها وخطابها واستهدفها للأجانب» وتضيف : « هذه التجمعات اليمينية المتطرفة تروج كثيرا لخطابات سينوفوبية وإسلاموفوبية قائمة على اعتبار الآخر مصدر تهديد اقتصادي وثقافي وديني، ويتعين طرده».

التهديد… المعالجة والتجاوز
مع حدوث اعتداءات بحجم ما وقع في فرنسا، يتم التفكير مباشرة، كما درجت على ذلك الحكومات الأوروبية، في الطرق الممكنة  للقضاء على هذا التهديد وتجاوزه. وعلى ذلك الغرار، جرى اتخاذ عدد من القرارات ليس في فرنسا وحدها، بل في معظم البلدان الأوروبية التي تعتقد أنها قد تكون هدفا لاعتداءات شبيهة، وتمحورت تلك القرارات حول استراتيجيات لاستباق اعتداء مماثل ومنعه. وكانت تلك القرارت كلها ذات طبيعة أمنية. فكانت أولى الاجتماعات هي لوزراء الداخلية الأوروبية ثم لوزراء العدل. التعاطي الأمني وحده مع هذه التهديدات، كان مصدر انتقاد هيئات مدنية عديدة بأوروبا، وهي تطالب بمعالجات فاعلة تتجاوز الحدود الأمنية دون الوقوف عند تخومها، بل المراهنة على معالجات شاملة تمس الثقافي والاجتماعي. ويؤكد رئيس جمعية «إشبيلية تستقبل» عمر الحرتيتي، أن السلطات الأوروبية وفي إسبانيا مثلا «كانت معظم المعالجات تركز على الجانب الأمني دون المراهنة على معالجات ثقافية « ويضيف الحرتيتي، الخبير بشؤون الهجرة والتعدد الثقافي في مجتمعات الاستقبال بإسبانيا، إنه لا توجد استراتجيات بعيدة المدى للتعامل مع الاختلالات التي تفرز بيئة مساعدة على اختمار افكار التطرف، مثل التهميش والاختلال الاجتماعي بين قيم التكتلات الوافدة ومجتمع الاستقبال»ّ. وبدروها تؤكد استاذة الصحافة بجامعة فالنسيا لولا بانيون أن «أوروبا لديها بانوراما اجتماعي متسم بالتناقض ومقلق احيانا، من ابرز ظواهره بروز التطرف في أطراف المجتمع التي تهدد السلم الاجتماعي».

لا علاقة للارث بحق الكد والسعاية الذي يجد تأصيله من داخل الفكر والشريعة الإسلامية التي من بين مقاصدها العدل بين الزوجين، والفصل 49 ساهم في اضعاف هذا المبدأ الذي يمثل حقا للنساء...هي بعض الأفكار التي يشير اليها عبد الوهاب رفيقي الباحث في الفكر الإسلامي ومستشار وزير العدل في هذا اللقاء.
لا أحد بإمكانه إنكار التضامن الاقتصادي الذي تتأسس عليه الأسرة في المغرب، تقول حفيظة مسيرة مقاولة.
رغم ما يمثله هذا العرف الذي كان قانونا ملزما للتقاضي، إلا أنه يلقى اليوم مقاومة وتعتيما، فهل يعود ذلك لتعارضه مع الدين  ؟