المشهد النائم في الإبداع…

هل يأتي الإبداع من الماضي حصرا، أم أن بواعثه المستقبل,أيضا؟ ماذا عن الشخصيات التي تحدث عنها الأدب طويلا ولم يرها أبدا؟ ماذا عن الأماكن التي نعم بها الأدب وقدمها بالتفاصيل الدقيقة وكأنه ارتادها، في حين كانت تسكن مشهده الآخر، الغريب، غير المطمئن والضاج من كل شيء؟ أسئلة تراودني وأنا أفكر في الزمن والإبداع وشخصيات كثيرة أعرفها منذ الصغر، لكني تعرفت على أغلبها من خلال الأدب فقط.

المبدع ضاج بالزمن :
من المؤكد أن الساعات، على رتابتها، لا تعرف السكون، إنها في تغير مستمر.. وحين أحدق في وجهها الأسمر على الجدار، وأطيل النظر.. أسمع ضجيجها وكأنها تهددني بانسحاب الزمن. وأحيانا أجلس ساعات طويلة كي أشعر بأن الليل والنهار يتعاقبان، وكأنهما يتطاردان بنوع من العناد الدائم. ولذا يتعب العديد من الكتاب من الساعات التي تجعلهم يشعرون بالزمن، وبانمحاء الليل والنهار لأنهم يشعرون بأن هذا الكائن الذي يحيا ويأكل ويعيش ويشتهي وينتشي سيموت.
وكثيرا ما صادر الكتاب هذا الضجيج الذي تحدثه الساعات سواء بالإبداع أو بالانتحار وبالصمت، وخلفت أسئلتهم الكثير من الغرف النائية والملتبسة التي لم تدرك بعد..وقد لا تدرك أبدا! لم تكن الساعات تشعر جارتي حليمة بالضجر، كانت مطمئنة تماما لفستانها الجديد، تصفف شعرها وتطبع قبلات حمراء على خدي وتطير في الهواء. وكنت أشعر بأنني أريد أن أشعر بشيء آخر غير الإحساس بالأنوثة، كنت أشعر بضجر كبير من الزمن ومن أصوات قديمة مخبأة، من فستاني الأبيض الموشى بالدانتيلا، وحذاء العيد الرمادي الذي لم يكن يروق لي، وكنت أرى جدتي وهي تأتيني من ذاكرة بعيدة كي تغزل صوفها الأبيض أمامي وتصففه بعناية. كنت أترقب الصور التي نخزن فيها كل مراحل العمر، وأشعر بأن ذاكرتي تعج بتفاصيل ومشاعر « آلة تصوير » والتباس لا يمكن أن تنقله على الإطلاق.
ولكن لماذا يحدث هذا لبعض الأشخاص دون البعض الآخر؟ لماذا تمحو حليمة مثلا ذاكرتها ولا تخبىء إلا بعض التفاصيل الصغيرة، فقط؟ ولماذا تعمل هذه الآلة بنشاط حاد لدى بعض الأشخاص دون آخرين؟ لماذا يرغب البعض أن يبدعوا وينتجوا ويتحرروا من كل ما يندس بداخلهم؟ لماذا يحدث ذلك للبعض وليس للكل؟
هل تأتي الكتابة مصادفة؟
من المؤكد أن هذه المصادفة هي سببية، أو لأقل إنها مصادفة موضوعية أن يبدع الكاتب، ومن الغريب أنه يحدث في بعض الأحيان أن نلتقي بشخصية، نسجها الخيال، في الواقع، نراها تمشي وتتنفس وتأكل وكأنها نفس الشخصية التي كتبنا حتى بدرجة « نفسها » عنها سابقا، هي حرارتها الخاصة في الحديث وبرغباتها المتنوعة… حين كتبت قصة الأرجوحة، لم تكن تلك الشخصية تجسيدا لشخصية سبق أن رأيتها في الواقع. تحدثت عن امرأة تتأرجح على الأرجوحة في منزلها بعد موت والديها، شخصية بعيدة عن الجمال، مكتنزة، تأكل الشوكولاطه دون توقف، ينفر منها حبيبها من أجل جسمها غير المطابق لمعايير الجمال على الأقل، تلك المتفق عليها، لكنها تقرر أن تكون خفة الكائن في ما يبدعه وما يحلمه.وفيما بعد رأيت هذه الشخصية بالمصادفة، وتحدثت معها ووجدتها وعلمت أنها مرت من نفس التفاصيل والحيثيات، وحين تأملت جسدها وجدتها كما وصفتها بالضبط، وتساءلت هل يحدث هذا حقا؟

الغد مكتوب :
« الغد مكتوب » حين قرأت كتاب بيير بايار أدركت أن الأدب يحلم والواقع يقر بالمصادفة، وبأن العديد من المبدعين كتبوا الغد دون أن يدركوا ذلك. فقد كان إبداعهم يستبق الواقع، ويعلنه، مثل فيرجينا وولف وجيوبها المثقلة بالحجارة وغرقها في النهر، فلم يكن صدفة أن تنتهي تلك النهاية دون إرهاص، فعلاقة فيرجينا وولف بالماء لم تكن حديثة العهد، إنها زمن سابق ،« الأمواج » بنته رواياتها الشهيرة مثل التي تخيلت فيه انتحار « السيدة دالوي » و ذلك الجندي الذي يعاني من انهيار عصبي وفزع شديد بعد الحرب، وهو يرمي جسده من الطابق العلوي وكأنه يقفز في الموج، بحيث كان هذا الشخص يسبح في الهواء وكأنه يسقط في الماء دون ألم يعذب. وهذا مرده إلى أن فيرجينا وولف ترى الموت في الماء موتا غير قاس، بحيث يداعب القدمين بخفة ويمتد إلى أن يضم الجسد ويلتحم بهكليا.
« الغد مكتوب » يقول بيير بايار في كتابه إننا خاضعون لمجموعة Demain est ecrit من التأثيرات والضغوطات التي يمنحنا فيها المستقبل العديد من العلامات القادرة على أن توجهنا في اختياراتنا، وهي لقاءاتنا. « صدف » التي يمكن أن توجه فلماذا يحدث هذا التواشج الغريب بين الشخصيات ومؤلفيها، رغم أن هذه الشخصيات ليست هي الكاتب نفسه؟ وكيف يحدث؟
من المؤكد أن الشخصيات التي أكتب عنها ليست شخصيات غريبة عن الغرفة السوداء المعتمة بداخلي، فمن المؤكد أنني في غرفتي الخاصة أستطيع أن أتأمل تفاصيل جسدي كما أرغب، وأنظر فيالمرآة بدون حرج. كما يمكنني أن أقفزفي كل اتجاه، ثم أرى جلدي وهو يشرق أو يشيخ، وأن أمارس كل استيهاماتي، ثم ألعن ما يحدث، وقد أصمت عن بعض الأشياء.

ولكن هل يصمت الإبداع هل تخبىء الكتابة كل شيء؟ هل الأديب محايد تجاه ما اجترحه وخزنه، فترسب بداخله بعد أن نفاه إلى محرابه السري؟ ماذا عن الشخصيات التي أبدعها؟ ماذا عن الصور والتلوينات الخاصة والمجازات والاستعارات ؟ ولماذا يكتب عن هذا النوع من الشخصيات بالذات؟ لماذا لا يكتب كل الكتاب بنفس المشاعر وبنفس الصور…؟
يحاول العديد من الكتاب أن يلغوا الرابط الرحمي بإبداعاتهم، وهم يتحدثون عن مسارهم الشخصي بألم خاص، ولكنهم يرفضون تماما نعتهم بالذاتية الشديدة أو بواقعية الشخوص، علما أن هذه الشخوص ليست بالفعل واقعية، لأنها كفت عن أن تكون كذلك حين جاورت الأدب. فقد صارت لها لغة خاصة تتحدث من خلالها، وصار لها صوت سردي خاص، وسياق آخر غير السياق الذي انوجدت عليه فعلا. ولذا، فإن القطيعة التي أحدثها الأدب مع واقع، بحكم أن كل العوالم التي نبدع من خلالها هي تخييل، قد بدأ يعود إليها ليعيد النبش في المحكيات/ الأصول التي كانت الباعث على تلك الحمى الأولى ألتي ألهبت الأديب، وجعلته يهذي بشخوص تحتار وهي تغير معاطفها

لا علاقة للارث بحق الكد والسعاية الذي يجد تأصيله من داخل الفكر والشريعة الإسلامية التي من بين مقاصدها العدل بين الزوجين، والفصل 49 ساهم في اضعاف هذا المبدأ الذي يمثل حقا للنساء...هي بعض الأفكار التي يشير اليها عبد الوهاب رفيقي الباحث في الفكر الإسلامي ومستشار وزير العدل في هذا اللقاء.
لا أحد بإمكانه إنكار التضامن الاقتصادي الذي تتأسس عليه الأسرة في المغرب، تقول حفيظة مسيرة مقاولة.
رغم ما يمثله هذا العرف الذي كان قانونا ملزما للتقاضي، إلا أنه يلقى اليوم مقاومة وتعتيما، فهل يعود ذلك لتعارضه مع الدين  ؟