تتميز الذكرى الـ 16 لعيد العرش المجيد بالانتصار لمغرب الحداثة والديمقراطية والانفتاح الذي يعتبر عماد السياسة الملكية في جميع المجالات،سواء في المجال الاجتماعي أو الاقتصادي أو الحقل الديني، أو في سياسة المغرب اتجاه جواره ومحيطه الإفريقي والعربي والدولي، أو من خلال العمل الدبلوماسي فيما يخص القضية الوطنية ومصالح المغرب الكبرى.
حيث عرفت السنة الجارية، عددا من المحطات الهامة، من بينها إرساء سياسة مع فرنسا قائمة على الاحترام والتقدير والدفع بعلاقات التعاون الثنائي في اتجاه إيجابي، بعد مرور سحابة صيف من سوء التفاهم على العلاقات بين البلدين جرى تجاوزها وطيها.
– قطب اقتصادي جديد
على المستوى الاقتصادي، دشن المغرب لقطب اقتصادي جديد، في القنيطرة، بالشروع في بناء الميناء الأطلسي، الذي سيكون مركزا تجاريا مؤثرا في البلاد. كما توج أيضا بتقديم دراسة مخطط العمل المتعلق بتنفيذ الاتفاقيات الموقعة مع المصنع “بي إس أ بوجو -ستروين”.
وعلى ضوء ما تتوفر عليه جهة الغرب شراردة بني حسن من بنيات تحتية هامة ، تعزز جاذبيتها ، فقد شدد الملك محمد السادس على ضرورة تقوية هذه البنيات ودعمها لاسيما من خلال إنجاز ميناء في المياه العميقة القنيطرة الأطلسي، مرتبط بالمحاور الطرقية والسككية والجوية المهيكلة، وذلك في أقرب الآجال.
وضرورة اعتماد مقاربة إيكولوجية فعالة حتى يكون هذا المشروع منسجما مع محيطه.
ويعتبر إحداث مركب ثان لصناعة السيارات بالمغرب تجل جديد للثقة التي تحظى بها المملكة، ذلك أن صناعة السيارات في المغرب ارتقت إلى مستويات نمو مطردة خلال السنوات الأخيرة، مما جعلها أول قطاع موجه للتصدير في 2014.
وتعزى هذه الطفرة إلى الإمكانيات البنيوية الكثيرة التي توفرها المملكة، لاسيما استقراره المؤسساتي والسياسي والماكرو- اقتصادي، وانفتاحها على الخارج من خلال مختلف اتفاقيات التبادل الحر الموقعة والإصلاحات المهيكلة المنفذة من أجل تحسين مناخ الأعمال.
ومجموعة بي إس إي بوجو- سيتروين الرائدة تحظى بسمعة كبيرة في المملكة ، تغير اليوم وضعها بالانتقال من مستورد موزع إلى مصنع كامل يطمح إلى تزويد السوق الوطنية وكذا اسواق افريقيا والشرق الأوسط انطلاقا من المغرب.
وسيمكن هذا المشروع الاستراتيجي الذي سينطلق العمل به في 2019، من إحداث نحو 4500 منصب شغل مباشر و20 ألف منصب غير مباشر، وسيتيح، أيضا تطوير قطاع البحث والتطوير من خلال توظيف 1500 مهندسا وتقنيا من مستوى عال.
– قانون متقدم للإجهاض
على المستوى الاجتماعي، تشكل اللجنة الملكية التي أحدثها الملك محمد السادس لدراسة ملف الإجهاض، خطوة هامة في اتجاه معالجة هذه الظاهرة.
وقد رفع وزير الأوقاف ووزير العدل ورئيس المجلس للملك نتائج الاستشارات الموسعة، التي كلفهم جلالته بإجرائها بخصوص إشكالية الإجهاض، مع جميع الفاعلين المعنيين، لبلورة رأي موضوعي وحكيم، ويعطي الأولوية لخدمة المصلحة العليا للأسرة والمواطنين.
وقد أكدت هذه الاستشارات، على اختلافها، أن الأغلبية الساحقة تتجه إلى تجريم الإجهاض غير الشرعي، مع استثناء بعض حالاته من العقاب، لوجود مبررات قاهرة، وذلك لما تسببه من معاناة، ولما لها من آثار صحية ونفسية واجتماعية سيئة على المرأة والأسرة والجنين، بل والمجتمع، لاسيما:
أولا: عندما يشكل الحمل خطرا على حياة الأم أو على صحتها،
ثانيا: في حالات الحمل الناتج عن اغتصاب أو زنا المحارم،
ثالثا : في حالات التشوهات الخلقية الخطيرة والأمراض الصعبة التي قد يصاب بها الجنين.
وأعطى الملك تعليماته إلى كل من وزير العدل والحريات ووزير الصحة، قصد التنسيق بينهما، وإشراك الأطباء المختصين، من أجل بلورة خلاصات هذه المشاورات في مشروع مقتضيات قانونية، قصد إدراجها في مدونة القانون الجنائي، وعرضها على مسطرة المصادقة، وذلك في إطار احترام تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والتحلي بفضائل الاجتهاد، وبما يتماشى مع التطورات التي يعرفها المجتمع المغربي وقيمه القائمة على الاعتدال والانفتاح، وبما يراعي وحدته وتماسكه وخصوصياته.
ونظرا لكون القانون وحده لا يكفي للحد من هذه الظاهرة، فقد أكد جلالته على ضرورة التوعية والوقاية ونشر وتبسيط المعرفة العلمية والأخلاقية التي لها علاقة بهذا الموضوع، لتحصين المجتمع من الأسباب التي قد تؤدي إلى الإجهاض.
– دور للمرأة العالمة في المحفل الديني
وفي عملية ذات بعد متبصر، ومن أجل إعطاء مكانة مهمة للمرأة المغربية والرفع من سويتها في المجتمع وفي المحفل العلمي والديني، وجه الملك بتعزيز التمثيل النسوي في تأطير الأمن الروحي للمواطنات والمواطنين، وذلك بالرفع من عدد العالمات في حظيرة كل من المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية.
ويأتي هذا القرار الملكي، “تأكيدا للآمال الكبيرة التي يعلقها الملك على دور المرأة في المساهمة بقسط وافر في تحقيق النهضة الشاملة للأمة”.
– إفريقيا : مقاربة مندمجة وإدماجية
أما بصدد السياسة الإفريقية للمغرب فقد أكد الملك محمد السادس على أنها ترتكز على مقاربة شمولية ومندمجة وإدماجية، ترمي إلى النهوض بالسلم والاستقرار وتشجيع التنمية البشرية المستدامة وصيانة الهوية الثقافية والروحية للسكان، في إطار احترام مبادئ حقوق الانسان كما هو متعارف عليها عالميا.
وشكل منتدى كرانس مونتانا المنعقد بالداخلة من 12 إلى 14 مارس الماضي ورقة هامة رابحة للمغرب . وهذه السياسة تتميز بكونها “لا تقتصر حصرا على الفاعلين الحكوميين، بل تتجاوزهم إلى الفاعلين الاقتصاديين من القطاع الخاص، الذين ترسخ إيمانهم وانخراطهم في هذا التوجه، شأنهم شأن كل مكونات المجتمع المدني”.
فالمغرب يهدف إلى دعم جهود البلدان الإفريقية الشقيقة من أجل بناء اقتصادات قوية، من خلال نقل الخبرات وتكوين الموارد البشرية والاستثمار في المجالات الحيوية للاقتصاد وحشد الموارد.
ويضع المغرب إفريقيا ضمن الأولويات الاستراتيجية لسياسته الخارجية، على اعتبار أن ذلك اختيارا ينبع من انتمائه الجغرافي للقارة الإفريقية ومن تاريخه العريق، الذي كان له بالغ الأثر في بناء هويته وتشكيل ثقافته الإفريقية، سعيا من أجل انبثاق “إفريقيا جديدة”.
وبالنظر للأهمية التي تكتسيها التكتلات شبه الإقليمية، فإن المغرب ما فتئ يدعو إلى إحياء اتحاد المغرب العربي، الذي يحتفل هذه السنة بعيد ميلاده السادس والعشرين، والانفتاح على”نادي إفريقيا الأطلسية”، كحافز للتنمية، وجسرا للانفتاح والتفاعل والاندماج بين البلدان الإفريقية المحاذية له.