مقاومة وتعتيم ثقافي

رغم ما يمثله هذا العرف الذي كان قانونا ملزما للتقاضي، إلا أنه يلقى اليوم مقاومة وتعتيما، فهل يعود ذلك لتعارضه مع الدين  ؟

تجد المقاومة التي يلقاها هذا العرف تفسيرها، بنظر حبيب عزوز عضو الجمعية المغربية لحقوق الانسان في كونها تؤدي رأسا إلى الثروة «الفلوس»، فالرجل يرفض هذا المبدأ ببساطة لأنه لا يناسبه وينزع عنه امتيازاته ويقاسمه حصة أكبر من الأموال التي يعتقد أنه أحق بها، بالتالي يكون طبيعيا أن تصدر عنه كل أشكال المقاومة، وهي مقاومة تخترق المجتمع الذي رغم تطوره (اقتصادياـ سياسيا، اجتماعيا) فإن بنية التفكير ظلت تقليدانية، خاصة في الأبعاد التي تطرحها الأدوار والعلاقات بين الجنسين».

تلتقي الإشارة التي يطرحها حبيب، بإحدى الخلاصات التي قدمها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي حول «أشكال التمييز ضد النساء في الحياة   الاقتصادية»، والتي أشارت إلى أن طموح مدونة الأسرة كان يتجلى في الاعتراف بالتطور الذي عرفته العلاقات بين المرأة والرجل داخل الأسرة من خلال اعتبار الزوجين مسؤولين على التدبير العائلي بصورة تشاركية»، لكن قياس الأثر يؤكد بأنه «رغم الشروع في تحقيق تحول عبر مدونة الأسرة، إلا أن أدوار النساء لا تزال مشفرة وتراتبية من الناحية الاجتماعية».

«لا يتعارض مبدأ الكد والسعاية مع الدين»،  تؤكد أمينة بن الشيخ بدليل «الأحكام والنصوص الفقهية الشرعية التي تبنته ونصت عليه وهو عرف يعتبر الزواج نوعا من الشراكة وعند انقضاء أجلها تنقضي كل الالتزامات ومنها الأموال المشتركة»، لكن ما يحدث هو  «أن بعض المغاربة خاصة ذوي الفكر المحافظ (رجال ونساء) لا يعطون قيمة للمرأة وبالتبعية لا يعطون أي قيمة لعملها، و لديهم  رفض لكل ما من شأنه أن يجعل المرأة في مستوى أعلى مما عليه وهناك من يرفض رفضا باتا كل ما له علاقة بالأمازيغية أكان في القانون أو التاريخ أو الأدب، عندهم عقدة الأمازيغية وهذا نابع من مرجعياتهم الأحادية في كل شيء في الدين وفي اللغة وفي الهوية وهؤلاء  يصعب عليهم أن يفتحوا أبواب الاجتهاد، لا لأنه يقترب من الإرث ولكن لأنه يعطي القيمة لعمل المرأة وللمرأة عموما» .

من جهتها تعتبر الاعلامية والناشطة الأمازيغية «حادة خيراوي» رئيسة   جمعية تسگانغ، أن المغرب كدولة عريقة بتاريخها الامازيغي الممتد لأكثر من 14 قرنا، امتلك ترسانة من «ازرفان» منها ما يتعلق بالحقوق الاقتصادية للنساء لعل ابرزها عرف   «تمزالت» الذي مهد للمادة 49 من مدونة الأسرة. غير ان «تمزالت» نالها حيف و تعتيم  ثقافي ولم يتم التعريف بها على الصعيد الوطني ،بحيث ظلت قاعدة محلية تم التقاضي بها في بعض المحاكم في جهة سوس، وتم تفريغها من محتواها كما هو الحال بالنسبة للمادة 49 التي تعتريها عدة نواقص في تفعيلها بخصوص تدبير الأموال المكتسبة اثناء العلاقة الزوجية لغياب شرط الإلزامية».

استلهام هذه الثقافة الأمازيغية التي تكرس فكر المساواة، عبر المدرسة و الإعلام والفن  طبعا الى جانب  ما قدمته الحركة الحقوقية النسائية من نضالات ، يسهم  بنظر حادة في تغيير العقلية الذكورية والفقهية المحافظة في مجتمعنا للبحث عن أعراف مساواتية أخرى.

تامزالت ومحدودية الفصل 49

سبق للمحامي والحقوقي «محمد ألمو»، أن وضع مذكرة لتعديل الفصل 49 على ضوء نظام «تامزالت»، مشيرا الى  أن مقتضيات الفصل 49 من المدونة تظل قاصرة عن  ضمان حقوق النساء في الأموال المنشأة أثناء الحياة الزوجية ومن تم الانحراف عن هذا المعطى القانوني الذي استند على نظام «تمازالت»، الموجود في القانوني العرفي الأمازيغي والذي يقوم على إقرار حق الزوجة في المطالبة بالحصول على نصيبها من الأموال المكتسبة خلال الحياة الزوجية، باعتبارها شريكة أصلية في تلك الأموال استنادا لما قدمته من سعاية وجراية (ثازلا) في تكوينها وانمائها والحفاظ عليها، وحسب نظام «تمزالت» فالأصل في الاموال المنشأة اثناء قيام العلاقة الزوجية هي اموال مشتركة بين الزوجين» بنوع من التقابل يتساءل محمد ألمو المشرع المغربي اعتبر المدونة بعد إصلاحها»معلمة حقوقية ومجتمعية ونصا قانونيا يؤسس لمجتمع ديمقراطي وحداثي «فكيف يمكن القبول بهذا الوصف والجزء المتعلق بالحقوق المالية للمرأة في الاموال المكتسبة اثناء الحياة الزوجية لم يتم ضمان الحصول على هذا الحق لمحدودية الفصل 49 في ذلك ؟ .

لا علاقة للارث بحق الكد والسعاية الذي يجد تأصيله من داخل الفكر والشريعة الإسلامية التي من بين مقاصدها العدل بين الزوجين، والفصل 49 ساهم في اضعاف هذا المبدأ الذي يمثل حقا للنساء...هي بعض الأفكار التي يشير اليها عبد الوهاب رفيقي الباحث في الفكر الإسلامي ومستشار وزير العدل في هذا اللقاء.
لا أحد بإمكانه إنكار التضامن الاقتصادي الذي تتأسس عليه الأسرة في المغرب، تقول حفيظة مسيرة مقاولة.
رغم ما يمثله هذا العرف الذي كان قانونا ملزما للتقاضي، إلا أنه يلقى اليوم مقاومة وتعتيما، فهل يعود ذلك لتعارضه مع الدين  ؟