رمضان والنكير

«مترمضنة..مترمضن» اتهام ارتبط في تداولاتنا الشعبية بالصوم في شهر رمضان، وهو إحالة رمزية على سلوك بمنسوب من القلق والانفعال، مثلما هو إحالة على مزاج في قمة التفاعل السلبي مع الانقطاع عن العادات اليومية، لذلك يستجيب ذات المزاج للنكير«النق» كرد فعل انفعالي على أية مواقف لا تثير شعور الرضا، ولأن الاحتكاك اليومي والقريب مع المحيط هو المثير الأول «للنكير»، تشكل العلاقات الزوجية المجال الخصب لهذا السلوك الذي ارتبط في ثقافتنا بالمرأة، لكن القاعدة تخرج عن حدود المتعارف عليه في رمضان لتدخل الطرفين في الاتهام الجاهز : نكار ..نكارة ..
«أنا مقطوع»، هكذا يبرر الكثير من الرجال صعود أسهم «النكير» في سلوكهم اليومي مع أول يوم في رمضان، إذ تقدم مواقف من الواقع ما يفيد أن حالة التوتر والغليان المتبوعة بالنق تصبح صورة الشارع لأتفه الأسباب، ذات الحالة تعيش عليها الكثير من الزيجات داخل بيت الزوجية، حيث واقع حالها يقدم الوجه الآخر للزوج النقاق والزوجة النقاقة، حالة ليست وليدة طباع فقط، بقدر ما هي أيضا، استجابة لمثيرات على قدر من الاستفزاز العاصف بحدود الهدوء وضبط النفس، مرية 46 سنة، تحكي بنبرة من صار استقبال شهر الصيام بالنسبة لها موعد مع شهر «لغنان» أي العناد في قمة صوره، وضعية تصفها بالكاريكاتورية كلما تذكرت مشاهد من «النكير» التي تستمر إلى حين أذان المغرب، «في البداية كنت أنفعل مع كل كلمة أو حركة أشم فيها رائحة النكير، ومع مرور الوقت صرت أتفهم أنها حالة نفسية ظرفية بالنظر إلى منسوبها مع الصيام، لكنها صارت طبعا وتطبعا كلما وجد تجاوبا مع «نقيقه»، أذكر أنه كان يبحث عن أي سبب «النكير» حتى ولو كان : علاش خليتي لحليب يفيض بزاف، الماكلة بلا ما من قلت لفهاما، كون غير درتي البغرير حسن من …، بقات ليك ربع ساعة للمغرب ضربي حسابك مزيان باش ما تعطليش …سلوكات يومية كانت تصيبني بالارتباك كلما تسمر في زاوية الصالون مقابلا المطبخ ليبدأ في سهام تصيب نفسيتي بانفعال يجعلني أتجاوب معه بنفس «خو كلامو»، لكن مع مرور الوقت صرت أتفهم الحالة سواء بربطها بانقطاعه عن كل ابتلاءاته : «جلسة المقاهي، والتدخين تحديدا، أو حتى  اعتبارها مخلفات المغادرة الطوعية التي جعلت أجندة يومه بالبيت مفتوحة على كل الأوقات والحالات المزاجية الصادمة».
نكار أو مغنان
في ثقافة الأولين يقترب المثل العامي «لمغنان قتلوا لا تعاندو» من سلوك  «النكار»، ومن وجهة نظر المشتغلين في الحقل النفسي يحيل النقير على خاصية بميزة جد إيجابية وهي الإلحاح، إذ التعبير الفصيح الصحيح للنقار هو الملحاح، وهو ما يجعل الصفة بميزة تضيف للشخصية أكثر مما تسيء لها، لكن عندما يصبح «النقير» سلوكا مرضيا يخرج عن حدود اللياقة وأدب التواصل مع الآخر  ينتزع من إيقاع اليومي داخل الحياة الزوجية مؤشرات التوافق والهدوء، مقابل توطين التوتر واللاتجاوب في نسيج العلاقة، لذلك تحمل تجارب الكثير من النساء ما يفيد أن النقير في رمضان جعلهن يتركن البيت لأكثر من مرة، معطى تؤكد غالبية هؤلاء النسوة أنه استجابة أيضا، للتوتر الذي يصيب الغالبية جراء الترتيبات المبالغ فيها لمائدة الإفطار، والإتكالية المتبوعة بنقير الأزواج.

الأنانية سبب
ترى حياة بوفراشن، الباحثة في علم الاجتماع، أن نسبة الطلاق ترتفع في شهر رمضان في الأوساط الشعبية أو في الأوساط ذات السكن الضيق، وهي الأسر التي تعيش عادة على ضغوطات مادية كبيرة، إذ الاحتكاك اليومي في شهر رمضان بين الأزواج وضغوطات الحياة وعدم احترام خصوصيات الآخر عوامل تساعد على تأجيج الخلافات وبالتالي الطلاق بين غالبة هؤلاء، مثلما تربط بلوغ هذه النتيجة بنوعية من الأسر التي تغيب في ممارساتها اليومية الحوافز الروحية والدينية، في مقابل تمكن سلوك الأنانية من طرفيها، وتركيزهم على الشكليات المرتبطة بالأكل..، هي بعض من مهيجات النكير بين الزوجين الذين لا يرقون في تدبير خلافهم إلى إدراك أن المناسبة هي اغتسال روحي، وتقرب إنساني بين الناس.
محمد، 43 سنة، سائق طاكسي، بادر بتكسير صمت الرحلة بعدما اجتزنا سوقا شعبيا لبيع لوازم السفوف والسلو المرتبطين بشهر الصيام، «عطيتها 500 درهما باش تقضي منذ أسبوع مازال ما دارت بيها والو، كل نهار كتقولي ما غاديتش تقدني راه السلعة غلات. نفس الموال والنقير منين كندخل للبيت حتى كنخرج، كنجاوبها شغلك هاداك اللي قديت عليه عطيتو ليك».  هكذا يظهر أن النكير صار أسلوب حياة بالنسبة للكثير من الأسر ، درجة العصبية ترتفع ليس بسبب الصوم ولكن بسبب المبالغة في الارتباط بطقوس مكلفة ماديا، ومتعبة نفسيا، ولا طاقة للطرفين في التجاوب المرن معها، إذ خبرة التدبير الذكي للوضع المادي في درجة الصفر بالنسبة للأزواج بعدما يصبح السوق هو المتحكم في الاحتياجات لا العكس.

الحميمية مهيج نكير سي السيد
لا تغيب العلاقات الحميمية عن دائرة «النقيق» بين زوج يفكر في حميميته أكثر مما تسوقه إليه رغباته.. وبين زوجة تصبح العلاقة الحميمية بالنسبة لها تحصيل حاصل ارتياح نفسي يغيب أكيد في شهر رمضان، إذ كلفة الشهر من طاقاتها وجهدها الفردي يفوق كل ما يمكن تصوره عندما توضع المسؤوليات، الأدوار في ميزان التقييم، هي تتمنع بدافع التعب وهو يطالب بالاحتكام إلى الحق الشرعي، وضع هو مقدمة لنكير من نوع أخر يصبح فيه الاتهام بالبرود والعجز والهروب واقع حال الكثير من الأزواج في رمضان، والأكيد أن اختلاف المصالح والرغبات لا تقدم بأي شكل من الأشكال التوافق والهدوء المطلوبين في المؤسسة الزوجية، هكذا تقدم زيجات ورقة الحق الشرعي- من بوابة النكير كواجب في غياب الأجواء النفسية والمزاجية لعلاقة تحول إلى إغتصاب عندما تتسلح بالضغط عن طريق «النقيق».

مهيجات النكار
ارتفاع في المصاريف، وعدم كفاية المدخول في شهر تتعامل فيه غالبية الأسر بمنطق «الشهيوات» المكلفة، إذ ميزانية غالبية الأزواج تعكس استحالة التحكم فيها بالشكل الذي يشل التفكير في الإكراه المادي الذي يصاحب شهر رمضان، هكذا يعلل مراد «نكيره» المتواصل كلما وجد نفسه في مواجهة التبذير، «نحن في رمضان والنفس كتشهى، زوجتي تغير كل سلوكاتها مع بداية شهر شعبان الذي تستنفر فيه كل مجهوداتها لتحويل السوق إلى البيت، حالته وهي«تتعاقد» مع الذهاب والإياب إلى محالات التسوق تجعلني في قمة عصبيتي، هي تتهم ردة فعلي بكوني نكار، وأنا أجده الأسلوب المرضي الأنسب لحالة مرضية لا تتفاعل مع المناسبات بعمقها ورمزيتها الروحية».
من وجهة نظر فاطمة كتاني، المختصة في العلاج الأسري، أن الخلافات بين الزوجين تتصاعد في رمضان، وهي خلافات مادية وعائلية وحميمية تفرز حالة النكير من طرف واحد أو من الطرفين، لذلك فإن المناسبة هي فترة خصبة لظهور بعض السلوكات التي قد لا تكون طبع في الزوجين، النكير هو إحداها، والسبب لا يمكن تعليقه بنظرها بالأجواء الرمضانية التي تفرض السكينة والهدوء، بل باستعداد نفسي للتجاوب مع أي مثير بالنقيق المزعج للحياة المشتركة بين الزوجين.

إطلاق رحلات جديدة نحو أمستردام ومدريد وبرشلونة ومالكا وبروكسل.
تساقطات مطرية غزيرة.. صوت القطار المزعج يتلاشى مع الزخات المستمرة.. كنت عائدا من الشمال الإيطالي، خلال سفر مهني من البندقية وصولا إلى تورينو.
مؤمنة بالجمع بين الاهتمامات مؤسساتية كانت أونقابية أو جمعوية حد الاعتقاد أنها كل لا يتجزأ. هي رئيسة لجنة الجهوية والتنمية القروية بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ونائبة رئيس لجنة الميزانية بجهة مجلس طنجة تطوان الحسيمة، ومؤسسة جمعية وفاق للتضامن والمساواة وتكافؤ الفرص.