يمثل شهر رمضان واحدا من أهم الشهور لدى المغاربة، وفيه (إضافة الى الجانب الديني) تكثيف لطقوس المائدة والطعام، وما يرتبط بعادات الأكل والضيافة، وإيقاع الحياة الاجتماعية.
على مشارف هذا الشهر» المقدس»، اخترنا الاشتباك مع أسئلة ترتبط بالتغييرات التي مست الكثير من السلوكيات الغذائية، وهي وإن كانت ظاهريا، لا تتجاوز
« المائدة» ومجال الطعام اليومي، إلا أنها صياغة متجددة لما يعتمل داخل المجتمع، وتعبير عما يعتمل من تغييرات (أومقاومة لهذا التغيير) وما يتعلق بها من تعاقدات وإنتاج لمعاني أو قيم جديدة بشكل يجعل من مجال المائدة، مجالا دالا، بل مساهما في هندسة اجتماعية.
ضمن المؤشرات التي يمكن ملاحظتها، اتجاه المغاربة لفضاءات أخرى خارجية من أجل تناول الفطور أو السحور ، (خارج رمضان بالتأكيد) في انتقال من فضاء البيت إلى فنادق ومطاعم، يمكن كذلك ملاحظة اتجاه الأسرة المغربية لاستقدام الوجبات الجاهزة وظهور عادات وأذواق جديدة وما يستتبع ذلك من الطلب على خدمات توصيل الطعام.
التحولات في مائدة المغاربة هي تحولات في نمط التفكير أيضا وفي إنتاج علاقات أخرى، سواء بين أجيال الآباء والأبناء أو بين المرأة والرجل أو بين أفراد العائلة الواحدة وتباعا بين مكونات المجتمع وفي مختلف فضاءاته بدافع من أسباب كثيرة.
من المؤكد أن النساء استطعن بمجهودات كثيرة ومتراكمة عبر الزمن المغربي من تغيير وضعيتهن وتحرير قدراتهن، وإتباث مهاراتهن وتميزهن، بنفس الوقت يساهمن في بناء الثروة واقتصاد الأسر، لكنهن يواجهن إكراهات أخرى ترتبط بالتمثلات الثقافية حول أدوارهن، بحيث يتركن لأنفسهن في تدبير أشكال الموازنة بين المجال المهني والخاص.
يمكن رمضان، كوقت الذروة بالنسبة للأسرة المغربية في اجتماعها حول المائدة، وكلحظة اجتماعية وثقافية مكثفة، من ملاحظة المسؤوليات التي تلقى على عاتق النساء رغم التحولات العامة، وتسمح المهام اليومية التي تتصل بتدبير المجال الخاص (عمليا وورمزيا) من قياس حجم مساهمتهن، وتحديات مراكمة المهام المرتبطة بتوزيع مختل للأدوار بناء على «ثقافة» تخصصهن بذلك، وتحصرهن بأعمال الرعاية.
قبل أيام، نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في إحدى تقاريره، إلى
أهمية الأنشطة والخدمات التي تقوم بها النساء ضمن مجال العمل غير المأجور، وهو مجال يسمح باحتساب عائد اقتصادي يمكن، حسب المندوبية السامية للتخطيط، أن يرفع الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة تقارب 19 في المائة.
أهم الملاحظات التي أشار إليها التقرير أن هذه الأنشطة والخدمات التي تقرن تلقائيا بالنساء، تكتسي طابعا لا مرئيا ، ويغيب فيها الاعتراف والتثمين مما يترتب عنه تعميق الفوارق بين الجنسين، وهشاشة المسارات المهنية.
مع كل مائدة تجتمع حولها الأسرة، هناك مائدة رمزية نستشف منها السياقات المتقاطعة، تغير بنية التفكير، التعاقدات الاجتماعية الصامتة، الثابت والمتحول، تجاذب الفردي والجمعي ونسبة تجذر التمثلات… وبالتأكيد نستشف منها واقع النساء وتحدياتهن المتعددة.