في زمن يزداد فيه إيقاع الحياة تسارعا، وتتزاحم فيه الضغوط النفسية من كل حدب وصوب، يطل علينا شهر رمضان حاملا معه نسمات روحانية، وفرصة ثمينة للتوقف قليلا، وإعادة ضبط بوصلتنا الداخلية نحو التوازن والسلام النفسي. فما كان يعتقد في السابق أنه مجرد شعائر دينية بحتة، باتت الدراسات الحديثة تكشف عن فوائدها العميقة للصحة العقلية.
لا يقتصر رمضان في جوهره على كونه امتناعا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو مدرسة متكاملة لتهذيب النفس وتربيتها. فالصيام يعلمنا الصبر، وهو بمثابة تمرين يومي على التحكم في الرغبات والدوافع، مما يعزز قوة الإرادة ويحد من الاندفاعية التي غالبا ما تكون مصدرا للقلق والتوتر.
وقد أكدت دراسة سعودية حديثة أجريت على طلاب الطب ونشرت في مجلة Frontiers in Psychology عام 2025 أن مستويات “الارتباك” و”الاكتئاب” انخفضت تدريجيا مع تقدم شهر رمضان، مما يشير إلى تحسن ملحوظ في الصحة العاطفية .
مع امتناع الجسد عن الطعام، تتفرغ النفس للتأمل والتفكر. الأجواء الإيمانية، وتلاوة القرآن، والصلوات بخشوعها، تشكل ملاذا آمنا من ضوضاء الحياة اليومية. هذا الانغماس في الروحانيات يساعد على تصفية الذهن، وتقليل مستويات هرمونات التوتر، مما يمنح الإنسان شعورا عميقا بالطمأنينة والسكينة.
وفي هذا السياق، كشفت مراجعة منهجية شاملة نشرت في ديسمبر 2025 بمجلة Discover Psychology أن الغالبية العظمى من الدراسات العلمية تؤكد التأثير الإيجابي للصيام على الصحة النفسية؛ حيث أظهرت 72.7% من الدراسات انخفاضا في أعراض الاكتئاب، و66.6% منها سجلت تراجعا في القلق، بل إن 85.7% من الدراسات وجدت انخفاضا ملحوظا في مستويات التوتر والضغط النفسي .
كما أن رمضان يعيد ترتيب أولوياتنا. فبينما ننشغل في الأيام العادية بتفاصيل قد تستهلك طاقتنا النفسية، يأتي الشهر الفضيل ليذكرنا بقيم التواصل والتعاضد. فصلة الرحم، والعطاء، والمشاركة المجتمعية في موائد الإفطار، كلها عناصر تغذي الحاجة الإنسانية الفطرية للانتماء والتواصل، وهي حاجة أساسية للصحة النفسية.
كما يمكننا النظر إلى رمضان كمتسع سنوي ضروري للصيانة النفسية، نخرج منه بعد ثلاثين يوما من التدريب الروحي والانضباط الذاتي، وقد استعدنا بعضا من هدوئنا الداخلي، وأعدنا شحن طاقتنا الإيجابية لنواجه بقية العام بنفس أكثر رضا وتوازنا. إنها فرصة لا تعوض، تدعمها الآن الأدلة العلمية، فهل نحسن استغلالها؟