في إطار الجهود المستمرة لتعزيز حقوق المرأة ومكافحة الممارسات الاجتماعية التي تُهدد مستقبل الفتيات، نستضيف اليوم الحقوقية والناشطة البارزة أمل الأمين، المتخصصة في قضايا المرأة وحماية الفتيات من الانتهاكات التي يتعرضن لها، خاصة في قضايا تزويج القاصرات.
ما الذي دفعك لدخول مجال حقوق الإنسان، وخاصة قضية تزويج القاصرات؟
منذ طفولتي، كنت دائمًا مشدودة إلى كل ما يتعلق بحقوق الإنسان، حتى دون أن أعي ذلك بوضوح في البداية. كنت أتساءل داخل أسرتي عن سبب الفجوة بين حقوق النساء والرجال، ولماذا تحرم الفتيات من فرص يتمتع بها الفتيان بكل بساطة. كنت أخوض نقاشات طويلة مع أفراد عائلتي لأفهم لماذا يُنظر إلى النساء بطريقة مختلفة، ولماذا تُفرض عليهن قيود لا تُفرض على غيرهن.
عندما بدأت دراستي في مجال البيولوجيا، لم أكن أتصور أن مساري المهني سيأخذ منحى مختلفًا تمامًا. لكن اهتمامي المتزايد بالقضايا الحقوقية ظل حاضرًا في كل مرحلة. كان لدي دائمًا ميل للانخراط في الأنشطة المتعلقة بالدفاع عن الحقوق، ولكن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما أصرت إحدى زميلاتي في الجامعة على أن أتقدم للمعهد الوطني للعمل الاجتماعي (INAS). كانت تؤمن أن هذه التكوين يتناسب تمامًا مع قناعاتي وشغفي، وكانت على حق.
من خلال دراستي في المعهد، انفتحت أمامي أبواب فهم أعمق للعدالة الاجتماعية، وازدادت قناعتي بأنني في المسار الصحيح. من هنا، بدأ التزامي الحقيقي بالعمل الميداني، خصوصًا في مجال حقوق النساء والفتيات. قضية تزويج القاصرات كانت ولا تزال من أكثر القضايا التي تستفزني، لأنها تمثل شكلاً صارخًا من أشكال التمييز والاستغلال الذي يُكرّس الظلم بدل أن يوفر الحماية. لهذا السبب، جعلت من عملي أداة للدفاع عن حق كل فتاة في حياة كريمة خالية من الإجبار والاستغلال، وسأظل أعمل بلا كلل من أجل أن يكون لكل فتاة الحق في اختيار مصيرها بعيدًا عن الضغوط المجتمعية والقانونية التي تسلبها طفولتها وأحلامها.
ما هي أبرز المحطات في مسيرتك المهنية التي أثرت في رؤيتك الحقوقية؟
على مدار مسيرتي المهنية، كانت هناك محطتان أساسيتان أثرتا بعمق في رؤيتي الحقوقية ورسّختا التزامي بالدفاع عن الفئات الهشة والمهمشة.
المحطة الأولى كانت خلال فترة تدريبي الميداني في “SOS Village Imzouren بالحسيمة”، حيث التقيت بأطفال بلا عائلات، أبرياء تُركوا لمصيرهم بعد أن تخلى عنهم ذووهم. رؤية هؤلاء الأطفال وهم محرومون من الدفء الأسري والحنان الذي يُفترض أن ينالوه في طفولتهم جعلني أدرك قسوة الواقع الذي يمكن أن يعيشه بعض الفئات في مجتمعنا. في تلك اللحظة، فهمت أن الحماية ليست مجرد مصطلح حقوقي، بل هي ضرورة إنسانية يجب أن تتجسد في القوانين والسياسات والممارسات اليومية.
أما المحطة الثانية، فكانت من خلال عملي كمسؤولة عن قطب الترافع والتواصل في جمعية إنصاف (INSAF)، حيث خضت تجربة مغايرة ولكن لا تقل تأثيرًا. في هذا الدور، كنت صوتًا ينقل معاناة الأمهات العازبات اللواتي يُعاملن كأنهن مذنبات، رغم أنهن في الغالب ضحايا لنظام اجتماعي وقانوني قاسٍ. كما كنت شاهدة على أوضاع “الطفلات الخادمات”، فتيات صغيرات جُرّدن من طفولتهن وأُلقي بهن في دوامة الاستغلال والحرمان.
هاتان التجربتان لم تكونا مجرد محطات مهنية، بل كانتا بمثابة صدمة وعي دفعتني إلى الإيمان العميق بضرورة العمل من أجل تغيير الواقع، ليس فقط عبر الدعم المباشر، ولكن أيضًا من خلال الترافع لتغيير القوانين والسياسات التي تكرّس التمييز والظلم. اليوم، أعتبر أن كل جهد أبذله هو لبنة إضافية في بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافًا، حيث تُحترم حقوق الجميع دون استثناء أو تمييز.
ماهي التحديات التي واجهتك في مسارك المهني؟
على مدار مسيرتي المهنية، واجهت العديد من التحديات التي اختبرت قناعاتي وزادت من إصراري على الاستمرار في الدفاع عن حقوق الفئات الهشة والمهمشة. يمكنني تلخيص أبرز هذه التحديات في ثلاث مستويات:
الصدمة العاطفية أمام الواقع القاسي
عند بداية عملي الميداني، كان من الصعب عليّ التعامل مع القصص المؤلمة التي صادفتها، سواء كانت تتعلق بالأطفال المتخلى عنهم، أو الأمهات العازبات اللاتي يجدن أنفسهن منبوذات، أو الطفلات الخادمات المحرومات من طفولتهن. مواجهة هذه الحقائق القاسية في الميدان كانت مؤثرة بشدة، وشعرت أحيانًا بالإحباط والعجز أمام حجم الظلم الذي تتعرض له هذه الفئات. لكنني تعلمت بمرور الوقت أن المشاعر وحدها لا تكفي، وأنه يجب تسخيرها كطاقة للتغيير والعمل على حلول ملموسة.
.2 مقاومة المجتمع والتحديات الثقافية
الترافع حول قضايا مثل تزويج القاصرات، أو حقوق الأمهات العازبات، أو محاربة استغلال الطفلات كخادمات، غالبًا ما قوبل بمقاومة اجتماعية قوية. وجدت نفسي في مواجهة أفكار تقليدية مترسخة تعتبر بعض هذه الممارسات “عادية” أو “ضرورية”، بل إن البعض ينظر إلى المدافعين عن هذه القضايا كأشخاص “يهددون القيم المجتمعية”. التعامل مع هذا النوع من المعارضة تطلب صبرًا، وذكاءً في التواصل، واستراتيجية مبنية على التوعية التدريجية بدل المواجهة المباشرة.
.3 تحديات قانونية وبيروقراطية
العمل في مجال حقوق الإنسان لا يقتصر فقط على دعم الضحايا، بل يتطلب أيضًا الترافع من أجل إصلاح القوانين والسياسات. وهنا واجهت عقبات قانونية وبيروقراطية معقدة، حيث أن تغيير التشريعات يستلزم وقتًا طويلاً، ويتطلب إقناع جهات متعددة داخل المؤسسات الرسمية. غالبًا ما يكون هناك بطء في الاستجابة لمطالب الحركات الحقوقية، مما يتطلب جهودًا مستمرة دون فقدان الأمل.
ورغم هذه التحديات، فإن كل صعوبة واجهتها كانت دافعًا لي لمواصلة العمل والترافع، لأنني مؤمنة بأن التغيير ممكن، حتى لو كان تدريجيًا. فكل خطوة صغيرة نحو تحقيق العدالة، مهما كانت بسيطة، تساهم في بناء مستقبل أكثر إنصافًا وكرامة للجميع.
ما هي أبرز الإنجازات التي حققتها كمنسقة لائتلاف دنيا لمنع تزويج القاصرات؟
أبرز الإنجازات التي حققتها كمنسقة لائتلاف دنيا لمنع تزويج القاصرات:
.1 تأسيس الائتلاف وإدارته بتنسيق تشاركي
أحد أهم الإنجازات التي أفتخر بها هو النجاح في تأسيس “ائتلاف دنيا لمنع تزويج القاصرات”، وهو خطوة أساسية نحو توحيد الجهود الحقوقية والمجتمعية ضد هذه الظاهرة. إدارتنا لهذا الائتلاف تمت وفق نهج تشاركي مع الجمعيات الأعضاء، ما سمح لنا بتقوية الجبهة المدنية المناهضة لتزويج القاصرات ، وإعطاء زخم أكبر للترافع في هذا الملف.
. 2 إيصال معاناة “الطفلات الزوجات” إلى المجتمع والرأي العام
من خلال الائتلاف، تمكنا من نقل الواقع الأليم للفتيات اللواتي يتم تزويجهن وهن لا يزلن أطفالًا. عملنا على تسليط الضوء على قصصهن ومعاناتهن، ليس فقط عبر وسائل الإعلام، ولكن أيضًا من خلال حملات توعوية موجهة للمجتمع، بهدف تفكيك الصور النمطية وإبراز الآثار الكارثية لهذا الزواج على الفتيات ومستقبلهن.
.3 الترافع أمام الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين
لم يقتصر عملنا على رفع الوعي المجتمعي فقط، بل حرصنا على إيصال هذه المعاناة إلى صناع القرار. من خلال اللقاءات والحوارات مع الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، وضعنا قضية تزويج القاصرات على الطاولة، وأكدنا أن استمرار القوانين التي تسمح به يمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الطفولة، وطالبنا بإلغاء أي استثناء يسمح بتزويج الفتيات دون 18 سنة.
.4 استمرار النضال ضد المجتمع الذكوري والقوانين التمييزية
نحن ندرك أن المعركة ليست فقط ضد نصوص قانونية، بل هي معركة ضد نظام اجتماعي ذكوري يكرّس هذه الممارسات. لهذا، من خلال “ائتلاف دنيا”، نواصل العمل على تغيير العقليات، والتصدي للخطابات التي تبرر تزويج القاصرات، بالتوازي مع الضغط من أجل تعديل القوانين بما يضمن حقوق الفتيات وحمايتهن من كل أشكال الاستغلال.
ما هي أبرز التحديات التي تواجهونها في عملكم لمكافحة تزويج القاصرات؟
رغم الجهود المبذولة من قبل ائتلاف دنيا لمنع تزويج القاصرات وجميع الفاعلين الحقوقيين، إلا أن العمل في هذا المجال يواجه تحديات كبرى، تعكس عمق المشكلة وتجذرها في البنية القانونية والاجتماعية والثقافية. يمكن تلخيص أبرز هذه التحديات في النقاط التالية:
.1الاستثناء القانوني الذي يشرعن تزويج القاصرات
.2 العقليات المحافظة والمجتمع الذكوري
تزويج القاصرات ليس مجرد قضية قانونية، بل هو أيضًا نتيجة عقليات ومعتقدات متجذرة في المجتمع الذكوري الذي يرى في الفتاة مجرد مسؤولية يجب تزويجها في أقرب وقت. في بعض المناطق، لا يُنظر إلى الزواج المبكر كجريمة، بل يُعتبر “حلاً” اجتماعيًا واقتصاديًا، مما يجعل عملية تغيير هذه الذهنيات تحديًا كبيرًا يحتاج إلى عمل طويل المدى في التوعية والتحسيس.
3غياب الإرادة السياسية الكافية لتغيير القوانين
رغم بعض الجهود الرسمية لمراجعة مدونة الأسرة، إلا أن هناك بطئًا في اتخاذ قرارات حاسمة لإنهاء الاستثناءات التي تسمح بزواج القاصرات. العديد من الفاعلين السياسيين لا يعتبرون هذه القضية أولوية، أو يخشون المواجهة مع القوى المحافظة. لهذا، نواجه تحديًا في دفع القرار السياسي نحو إصلاح جذري يمنع بشكل قاطع أي استثناء يسمح بزواج القاصرات.
.4 عدم توفر آليات كافية لحماية الفتيات المهددات بالزواج المبكر
حتى في الحالات التي ترفض فيها الفتاة الزواج، تفتقر الكثير من الأسر إلى بدائل، مثل المراكز الآمنة، الدعم الاجتماعي، والمرافقة القانونية، مما يضع الفتيات في وضع هش ويجبرهن على الاستسلام للضغوط العائلية.
.5 قلة الموارد والدعم للمنظمات الحقوقية
المنظمات العاملة في هذا المجال تواجه نقصًا في التمويل والموارد البشرية، مما يجعل العمل على التوعية والترافع أكثر صعوبة. الحملات الإعلامية، الدعم النفسي والقانوني للفتيات، والترافع السياسي تحتاج إلى إمكانيات كبيرة، في حين أن الموارد المتاحة غالبًا ما تكون محدودة.
ماهي رؤيتك لتطوير القوانين والسياسات المتعلقة بحماية الطفولة في المغرب؟
حماية الطفولة ليست مجرد التزام قانوني، بل هي “مسؤولية مجتمعية ووطنية” تستوجب إصلاحًا جذريًا في القوانين والسياسات لضمان بيئة آمنة ومزدهرة لكل طفل وطفلة. من خلال تجربتي في مجال حقوق الإنسان، أرى أن تطوير هذه القوانين يجب أن يتم وفق “مقاربة شمولية” ترتكز على عدة محاور رئيسية:
إلغاء الاستثناءات القانونية التي تسمح بزواج القاصرات ) الطفلات
لا يمكن الحديث عن حماية الطفولة في المغرب دون إلغاء تام ونهائي لأي استثناء يسمح بتزويج القاصرات. المادة 20 من مدونة الأسرة، التي تمنح القضاة سلطة السماح بزواج من هم دون 18 سنة، يجب أن تُحذف بالكامل، لأن استمرارها يُبقي الباب مفتوحًا أمام التحايل القانوني واستمرار الظاهرة.
تعزيز الإطار القانوني لحماية الأطفال من العنف والاستغلال
رغم وجود القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، إلا أن حماية الأطفال لا تزال غير كافية، إذ نحتاج إلى:
قانون أكثر صرامة ضد العنف الأسري، مع عقوبات مشددة على من يمارس العنف ضد الأطفال.
إجراءات أقوى لمكافحة تشغيل الأطفال، خاصة الطفلات العاملات كخادمات في البيوت.
ضمان تفعيل القوانين بصرامة، مع آليات متابعة وتنفيذ فعالة، بدل أن تبقى النصوص حبرًا على ورق.
إدماج حماية الطفولة في السياسات الاجتماعية والاقتصادية
القوانين وحدها لا تكفي، بل يجب أن تكون هناك سياسات اجتماعية داعمة لحماية الأطفال، تشمل:
دعم الأسر الهشة اقتصاديًا لمنع تزويج القاصرات أو تشغيل الأطفال بدافع الفقر.
تعزيز برامج التمدرس الإجباري ومكافحة الهدر المدرسي، لأن بقاء الفتيات في المدرسة هو أفضل وسيلة لحمايتهن من الزواج المبكر والاستغلال.
توفير مراكز حماية وإيواء للفتيات والأطفال المعرضين للخطر، مع دعم نفسي واجتماعي لضمان إعادة إدماجهم في المجتمع.
إصلاح المؤسسات المكلفة بحماية الطفولة
يجب إعادة النظر في دور المؤسسات الرسمية لحماية الأطفال، عبر:
تعزيز دور النيابة العامة والمؤسسات المعنية بمراقبة حالات العنف ضد الأطفال وتزويج القاصرات.
إلزامية الإبلاغ عن حالات زواج القاصرات والعنف ضد الأطفال لكل من المدرسين، الأطباء، والجمعيات، مع إجراءات واضحة لحمايتهم.
تقوية التنسيق بين المجتمع المدني والدولة لضمان التدخل السريع في الحالات المستعجلة.
تغيير العقليات من خلال التربية والتوعية
القانون وحده لا يكفي إذا لم يتغير الوعي المجتمعي. لذلك، يجب:
إدماج ثقافة حقوق الطفل في المناهج الدراسية، بحيث يكبر الأطفال وهم مدركون لحقوقهم.
إطلاق حملات وطنية مستمرة لتوعية الأسر حول مخاطر زواج القاصرات والعنف ضد الأطفال.
تشجيع الإعلام على لعب دور إيجابي في نشر ثقافة حماية الطفولة ومناهضة العنف والتمييز.