
فمنذ السنوات الأولى، بل وحتى قبل سنّ التمدرس، يصبح محيط الطفل أول مختبر لبناء علاقته بالوقت والمكان. فاختيار عدد قليل من اللعب ووضعها في مستوى قريب من متناول الطفل، يسمح له بتعلّم التخزين وإعادة الأشياء إلى مكانها دون شعور بالضغط. ومع تغيير اللعب بين فترة وأخرى، تنمو لديه رغبة طبيعية في الاكتشاف، ويتعزز إحساسه بالنظام في الفضاء الذي يعيش فيه. ومع بلوغ الطفل ثلاث سنوات، تبدأ رغبته الفطرية في تقليد الكبار والمساعدة، وهنا تتحول المهام البسيطة مثل ترتيب الحذاء أو وضع الملابس المتسخة في السلة، إلى خطوات صغيرة تؤسس لعلاقة صحية مع المسؤولية.
ومع مرور الوقت واتساع دائرة التزاماته، يصبح الروتين اليومي المدروس وسيلة فعّالة لتوضيح مواعيد اللعب والأكل والنوم والدراسة، لأن الطفل يحتاج إلى نقاط مرجعية واضحة ليشعر بالأمان الزمني. ويتعزز ذلك بروتين بصري يساعده على الربط بين الخطوات والسلوكيات، ما يجعله أكثر قدرة على إدراك الترتيب دون تدخل مباشر من الوالدين.
ومع دخول سنوات الدراسة الأولى، يبدأ التحدي الأكبر: التوفيق بين الواجبات المدرسية واللعب والأنشطة الموازية. هنا تشدد هاجر مجبر على أهمية منح الطفل وقتًا قصيرًا للراحة بعد المدرسة، يتبعه وقت للعب ثم وجبة خفيفة، قبل الانتقال مباشرة إلى إنجاز الواجبات. وكلما تعلم الطفل الالتزام بالوقت والمرونة في الاختيار، كلما أصبحت علاقته بالدراسة أكثر سلاسة، ووجد وقتًا أطول للّعب، لأن التنظيم يمنحه شعورًا بالتحكم في يومه وليس العكس. وبموازاة ذلك، تضيف أهمية اختيار نشاط أسبوعي يعزز توازنه البدني أو الفني دون إغراق برنامجه بالضغط، مع الحرص على تخصيص ساعة ما قبل النوم لنشاط هادئ يسمح للجسم بإفراز الميلاتونين بشكل طبيعي.
وتختم، “هاجر مجبر” بالتأكيد على أن التربية مشروع بعيد المدى، وأن على الآباء والأمهات أن يسألوا أنفسهم: ما الصورة التي أرغب أن أرى طفلي عليها بعد عشرين سنة؟ لأن تنمية مهارات التنظيم وترتيب الفضاء وتحديد الأهداف ليست خطوات متفرقة، بل أسلوب حياة يُبنى يوما بعد يوم، ليمنح الطفل مستقبلا أكثر وضوحا وثقة واستقلالية.